ابن عطية الأندلسي
565
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
إلى ارتفاع الضحى . وقال الحسن : بِالْعَشِيِّ ، يريد صلاة العصر وَالْإِبْكارِ : يريد به صلاة الصبح . ثم أخبر تعالى عن أولئك الكفار الذين يجادلون في آيات اللّه بغير حجة ولا برهان وهم يريدون بذلك طمسها والرد في وجهها أنهم ليسوا على شيء ، بل في صدورهم وضمائرهم كبر وأنفة عليك حسدا منهم على الفضل الذي آتاك اللّه ، ثم نفى أن يكونوا يبلغون آمالهم بحسب ذلك الكبر فقال : ما هُمْ بِبالِغِيهِ وهنا حذف مضاف تقديره : ببالغي إرادتهم فيه ، وفي هذا النفي الذي تضمن أنهم لا يبلغون أملا تأنيس لمحمد عليه السلام . ثم أمره تعالى الاستعاذة باللّه في كل أمره من كل مستعاذ منه ، لأن اللّه يسمع أقواله وأقوال مخالفيه ، وهو بصير بمقاصدهم ونياتهم ، ويجازي كلّا بما يستوجبه ، ( والمقصد بأن يستعاذ منه عند قوم الكبر المذكور ) ، كأنه قال : هؤلاء لهم كبر لا يبغون منه أملا ، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من حالهم . وذكر الثعلبي : أن هذه الاستعاذة هي من الدجال وفتنته ، والأظهر ما قدمناه من العموم في كل مستعاذ منه . قوله عزّ وجل : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 57 إلى 60 ] لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ ( 58 ) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 59 ) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ( 60 ) قوله تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ توبيخ لهؤلاء الكفرة المتكبرين ، كأنه قال : مخلوقات اللّه أكبر وأجل قدرا من خلق البشر ، فما لأحد منهم يتكبر على خالقه ، ويحتمل أن يكون الكلام في معنى البعث والإعادة ، فأعلم أن الذي خلق السماوات والأرض قوي قادر على خلق الناس تارة أخرى . والخلق على هذا التأويل مصدر مضاف إلى المفعول . وقال النقاش : المعنى مما يخلق الناس ، إذ هم في الحقيقة لا يخلقون شيئا ، فالخلق في قوله : مِنْ خَلْقِ النَّاسِ مضاف إلى الفاعل على هذا التأويل . وقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يقتضي أن الأقل منهم يعلم ذلك ، ولذلك مثل الأكثر الجاهل : ب الْأَعْمى ، والأقل العالم : ب الْبَصِيرُ ، وجعل : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعادلهم قوله : وَلَا الْمُسِيءُ وهو اسم جنس يعم المسيئين ، وأخبر تعالى أن هؤلاء لا يستوون ، فكذلك الأكثر الجهلاء من الناس لا يستوون مع الأقل الذين يعلمون . وقرأ أكثر القراء والأعرج وأبو جعفر وشيبة والحسن : « يتذكرون » بالياء على الكناية عن الغائب . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وقتادة وطلحة وعيسى وأبو عبد الرحمن : « تتذكرون » بالتاء من فوق على المخاطبة .