ابن العربي

592

أحكام القرآن

بقاء الخلق بعده ، وإمّا لأنه مأثوم ومخلد كمن قتل الناس جميعا على أحد القولين ، واختاره مجاهد ، وإليه أشار الطبري في الجملة ، وعكسه في الإحياء مثله . الثالث - قد قال بعض المتأخرين : إن معناه يقتل بمن قتل ، كما لو قتل الخلق أجمعين ، ومن أحياها بالعفو فكأنما أحيا الناس أجمعين . الرابع - أن على جميع الخلق ذمّ القاتل ، كما عليهم إذا عفا مدحه ، وكلّ واحد منهما مجاز . وبعضها أقرب من بعض . الآية الحادية عشرة - قوله تعالى « 1 » : مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً : فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى - هذا مبنيّ على الأصل المتقدم من أن شرع من قبلنا شرع لنا ، أعلمنا اللّه به وأمرنا باتّباعه . المسألة الثانية - قوله تعالى : أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ : اختلف فيه ، فقيل : هو الكفر . وقيل : هو إخافة السبيل . وقيل غير ذلك مما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى . وأصل ( فسد ) في لسان العرب تعذّر المقصود وزوال المنفعة ؛ فإن كان فيه ضرر كان أبلغ ، والمعنى ثابت بدونه ، قال اللّه سبحانه « 2 » : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ؛ أي لعدمتا ، وذهب المقصود . وقال اللّه سبحانه « 3 » : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ؛ وهو الشرك أو الإذاية للخلق ، والإذاية أعظم من سدّ السبيل ، ومنع الطريق . ويشبه أن يكون الفساد المطلق ما يزيف مقصود المفسد ، أو يضرّه ، أو ما يتعلق بغيره . والفساد في الأرض هو الإذاية للغير . والإذاية للغير على قسمين : خاص ، وعام ؛ ولكلّ نوع منها جزاؤه الواقع وحدّه الرادع ، حسبما عيّنه الشرع ، وإن كان على العموم فجزاؤه ما في الآية بعد هذه من القتل والصلب .

--> ( 1 ) من الآية الثانية والثلاثين السابقة . ( 2 ) سورة الأنبياء ، آية 22 ( 3 ) سورة البقرة ، آية 205 .