ابن العربي

568

أحكام القرآن

والرأس عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة ، ومنها الوجه ، فلما ذكره اللّه سبحانه في الوضوء وعيّن الوجه للغسل بقي باقيه للمسح . ولو لم يذكر الغسل أولا فيه للزم مسح جميعه : ما عليه شعر من الرأس ، وما فيه العينان والأنف والفم ؛ وهذا انتزاع بديع من الآية . وقد أشار مالك إلى نحوه ، فإنه سئل عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء ؟ فقال : أرأيت لو ترك بعض وجهه أكان يجزئه ؟ ومسألة مسح الرأس في الوضوء معضلة ، ويا طالما تتبّعتها لأحيط بها حتى علمني اللّه تعالى بفضله إياها ؛ فخذوها مجملة « 1 » في علمها ، مسجلة بالصواب في حكمها ؛ واستيفاؤها في كتب المسائل : اختلف العلماء في مسح الرأس على أحد عشر قولا : الأول - أنه إن مسح منه شعرة واحدة أجزأه . الثاني - ثلاث شعرات . الثالث - ما يقع عليه الاسم . ذكر لنا هذه الأقوال الثلاثة فخر الإسلام بمدينة السلام في الدرس عن الشافعي . الرابع - قال أبو حنيفة : يمسح الناصية « 2 » . الخامس - قال أبو حنيفة : إن الفرض أن يمسح الربع « 3 » . السادس - قال أيضا في روايته الثالثة : لا يجزيه إلّا أن يمسح الناصية بثلاث « 4 » أصابع أو أربع . السابع - يمسح الجميع ؛ قاله مالك . الثامن - إن ترك اليسير من غير قصد أجزأه ؛ أملاه علىّ الفهري . التاسع - قال محمد بن مسلمة : إن ترك الثلث أجزأه . العاشر - قال أبو الفرج : إن مسح ثلثه أجزأه . الحادي عشر - قال أشهب : إن مسح مقدمه أجزأه . فهذه أحد عشر قولا ، ومنزلة الرأس في الأحكام منزلته في الأبدان ، وهو عظيم الخطر فيهما جميعا ؛ ولكلّ قول من هذه الأقوال مطلع من القرآن والسنة :

--> ( 1 ) في ا : مجردة . ( 2 ) أحكام الجصاص : 3 - 346 . ( 3 - 4 ) أحكام الجصاص : 3 - 348 .