ابن العربي
569
أحكام القرآن
فمطلع الأول - أنّ الرأس وإن كان عبارة عن العضو فإنه ينطلق على الشعر بلفظه ، قال اللّه تعالى « 1 » . وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : احلق رأسك ، والحلق إنما هو في الشعر ، إذا ثبت هذا تركّب عليه : المطلع الثاني - وهو أن إضافة الفعل إلى الرأس ينقسم في العرف والإطلاق إلى قسمين : أحدهما - أنه يقتضى استيفاء الاسم . والثاني - يقتضى بعضه ؛ فإذا قلت : « حلقت رأسي » - اقتضى في الإطلاق العرفي الجميع . وإذا قلت : مسحت الجدار أو رأس اليتيم أو رأسي اقتضى البعض ، فيتركّب عليه : المطلع الثالث - وهو أنّ البعض لا حدّ له مجزئ منه ما كان ، قال لنا الشاشي : لما قال اللّه تعالى : وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ ، وكان معناه شعر رءوسكم ، وكان أقلّ الجمع ثلاثا ، قلنا : إن حلق ثلاث شعرات أجزأه ، وإن مسحها أجزأه ، والمسح أظهر ، وما يقع عليه الاسم أقلّه شعرة واحدة . المطلع الرابع - نظر أبو حنيفة إلى أنّ الوضوء إنما شرعه اللّه سبحانه فيما يبدو من الأعضاء في الغالب ، والذي يبدو من الرأس تحت العمامة الناصية ، ولا سيما وهذا يعتضد بالحديث الصحيح أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم توضّأ فمسح ناصيته وعمامته « 2 » . المطلع الخامس - أنه إذا ثبت مسح الناصية فلا يتيقّن موضعها ؛ وإنما المقصود تعلّق العبادة بالرأس ؛ فقد ثبت مسح النبي صلّى اللّه عليه وسلم الناصية ، وهي نحو الربع فيتقدر الربع منه أين كان ، ومطلع الربع بتقدير الأصابع يأتي إن شاء اللّه ، ومطلع الجميع أنّ اللّه سبحانه وتعالى علّق عبادة المسح بالرأس ، كما علّق عبادة الغسل بالوجه ؛ فوجب الإيعاب فيهما بمطلق اللفظ . وقول الشافعي : إن مطلق القول في المسح لا يقتضى الإيعاب عرفا ، فما علق به ليس بصحيح ؛ إنما هو مبنى على الأغراض وبحسب الأحوال ، تقول : مسحت الجدار ، فيقتضى بعضه من أجل أن الجدار لا يمكن تعميمه بالمسح حسّا ، ولا غرض في استيعابه قصدا ،
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية 196 . ( 2 ) ابن ماجة : 150 ، وأحكام الجصاص : 3 - 346 ، والقرطبي : ( 6 - 88 ) ، وأخرجه مسلم .