ابن العربي

982

أحكام القرآن

المسألة الثانية - قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ : قيل إنّه عاهد بقلبه ، والدليل عليه قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ إلى قوله : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ، وهذا استنباط ضعيف ، واستدلال عليه فاسد ؛ فإنه يحتمل أن يكون عاهد اللّه بلسانه ، ولم يعتقد بقلبه العهد . ويحتمل أن يكون عاهد [ اللّه ] « 1 » بهما جميعا ، ثم أدركته سوء الخاتمة ؛ فإن الأعمال بخواتيمها ، والأيام بعواقبها . ولفظ اليمين ورد في الحديث ، وليس في ظاهر القرآن يمين إلا مجرد الارتباط والالتزام ، أما أنه بصيغة القسم في المعنى فإنّ اللام تدلّ عليه ، وقد أتى بلامين : اللام الواحدة الأولى لام القسم بلا كلام ، والثانية لام الجواب ، وكلاهما للتأكيد . ومنهم من قال : إنهما لا ما القسم ، وليس يحتاج إلى ذلك ، وقد بيناه في الملجئة ، وكيفما كان الأمر بيمين أو بالتزام « 2 » مجرد عن اليمين ، أو بنية ، فإنه عهد . وكذلك قال علماؤنا : إنّ العهد والطلاق وكلّ حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر « 3 » في عقده إلى غيره ، فإنه يلزمه منه ما يلتزمه بقصده ، وإن لم يتلفظ به . قال الشافعي وأبو حنيفة : لا يلزم أحدا حكم إلا بعد أن يلفظ به . والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما رواه أشهب عن مالك ، وقد سئل : إذا نوى رجل الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه ، يلزمه ذلك أم لا ؟ فقال : يلزمه ، كما يكون مؤمنا بقلبه ، وكافرا بقلبه . وهذا أصل بديع ، وتحريره أن يقال عقد لا يفتقر المرء فيه إلى غيره في التزامه « 4 » ، فانعقد عليه بنيّة . أصله الإيمان والكفر . وقد بيناه في كتاب الإنصاف أحسن بيان ، فلينظر هناك إن شاء اللّه تعالى ، وقد أشرنا إلى هذا الغرض قبل هذا بمرماة من النظر تصيبه ، وهذا يعضده ويقوّيه . المسألة الثالثة - إن كان نذرا فالوفاء بالنذر واجب من غير خلاف ، وتركه معصية .

--> ( 1 ) من القرطبي . ( 2 ) في ا : أو التزام . ( 3 ) في ا : لا يفتقر . ( 4 ) في ا : إلزامه .