ابن العربي
975
أحكام القرآن
فإن قيل : قد روى أبو داود ، عن أبي رافع ، أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بعث رجلا على الصدقة من بنى مخزوم ، فقال لأبى رافع : اصحبني ، فإنك تصيب منها ؛ فقال : حتى آتى رسول اللّه فأسأله . فأتاه فسأله ، فقال : موالي القوم من أنفسهم ، وإنا لا تحلّ لنا الصدقة . وهذا نص في المسألة ، فلو صحّ لوجب قبوله ، وقد قال علماؤنا في ذلك جوابان : الأول - أنّ ذلك على التنزيه منه « 1 » . الثاني - أنّ أبا رافع كان مع النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يخدم ويطعم ، فكره له ترك المال الذي لم يذم ، وأخذه لمال هو أوساخ الناس ، فكسب غيره أولى منه . فإن قيل : فقد روى أن ابن عباس قال : بعثني أبى إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم في إبل أعطاها إياه من الصدقة . قلنا : لم يصح . وجوابه لو صح أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم استسلف من العباس ، فردّ إليه ما استسلف من الصدقة ، فأكلها بالعوض . وقد روينا ذلك مفسّرا مستوفى في شرح الحديث . وقد قال أبو يوسف : يجوز صرف صدقة بني هاشم إلى فقرائهم ، فيقال له : أيأكلون من أوساخهم ؟ هذا جهل بحقيقة العلة وجهة الكرامة « 2 » . المسألة الثامنة والعشرون - قوله : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ مقابلة جملة بجملة ، وهي جملة الصدقة بجملة « 3 » المصرف لها ، ولكن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال في حديث البخاري وغيره - حين أرسل معاذا إلى اليمن : قال لهم : إنّ اللّه افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم . فاختص أهل كلّ بلد بزكاة بلده ؛ فهل يجوز نقلها أم لا ؟ في ذلك ثلاثة أقوال : الأول - لا تنقل ، وبه قال سحنون . وقاله ابن القاسم ، إلا أنه زاد إن نقل بعضها لضرورة رأيته صوابا .
--> ( 1 ) في ا : على التبرئة منه . ( 2 ) في ل : بجهة اللغة وجهة الكراهة . ( 3 ) في ا : فجملة المصرف .