ابن العربي
956
أحكام القرآن
البلد حتى أخرج الأسيرة ، واستولى على الموضع ، فكيف بنا وعندنا عهد اللّه ألّا نسلّم إخواننا إلى الأعداء ، وننعم وهم في الشقاء ، أو نملك بالحرية وهم أرقّاء . يا للّه ، ولهذا الخطب الجسيم ! نسأل اللّه التوفيق للجمهور ، والمنة بصلاح الآمر والمأمور . فإن قيل : فكيف يصنع الواحد إذا قصر الجميع ؟ وهي : المسألة الخامسة - قلنا : يقال له : وأين يقعان مما أريد ؟ مكانك أيها الواحد لا يفتي ومالك لا يكفى ، والأمر للّه فيما يريد من توفيق ، أو قطع للطريق ، وقد همهم الخاطر بهذه المسألة ، وزمزم اللسان بها مدّة . والذي يحدث أخبارها ، ويطفئ - واللّه أعلم - أوارها أن يعمد من رأى تقصير الخلق إلى أسير واحد فيفديه ؛ فإن الأغنياء لو اقتسموا فداء الأسرى ما لزم كلّ واحد منهم إلا أقل من درهم للرجل الواحد ، فإذا فدى الواحد فقد أدّى في الواحد « 1 » أكثر مما كان يلزمه في الجماعة ، ويغزو بنفسه إن قدر ، وإلّا جهّز غازيا . فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » : من جهّز غازيا فقد غزا ، ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا . الآية الخامسة ، والعشرون - قوله تعالى « 3 » : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ . فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى - قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ ، أي يعيبك . وفيه قولان : أحدهما - أنه العيب مطلقا ، ومنهم من قال : إنه العيب بالغيب ، يقال : لمزه يلمزه بكسر العين في المستقبل وضمّها ، قال تعالى « 4 » : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ ، ومنه قوله تعالى « 5 » : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ . المسألة الثانية - قال أبو سعيد الخدرىّ : بعث إلىّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بشيء فقسمه بين أربعة ، وقال : تألّفهم . فقال رجل : ما عدلت . فقال : يخرج من ضئضىء « 6 » هذا
--> ( 1 ) في ا ، ل : فإذا فدى العدو أحدا فقد أتى في الوحدة ، وهي غير مفهومة . وما أثبتناه من القرطبي . ( 2 ) صحيح مسلم : 1507 . ( 3 ) آية 58 . ( 4 ) سورة الحجرات ، آية 11 . ( 5 ) سورة الهمزة ، آية 1 . ( 6 ) الضئضئ : الأصل .