ابن العربي
953
أحكام القرآن
إلى العدو ، توكّلا على اللّه ، ولو شاء ربّكم لعصمه مع كونه معهم ، ولكنها سنّة الأنبياء وسيرة الأمم ، حكم اللّه بها لتكون قدوة للخلق ، وأنموذجا في الرفق « 1 » ، وعملا بالأسباب . المسألة السادسة - قالت الإمامية قبّحها اللّه : حزن أبى بكر في الغار مع كونه مع النبي دليل على جهله ونقصه وضعف قلبه وحيرته « 2 » . أجاب على ذلك علماؤنا بثلاثة أجوبة : الأول - أنّ قوله : لا تحزن ، ليس بموجب بظاهره وجود الحزن ، إنما يقتضى منعه منه في المستقبل ، فلعل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال له ذلك زيادة في طمأنينة قلبه ؛ فإن الصدّيق قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا . فقال له : لا تحزن إنّ اللّه معنا ؛ لتطمئنّ نفسه . الثاني - أن الصدّيق لا ينقصه إضافة الحزن إليه ، كما لم تنقص إبراهيم حين قيل عنه « 3 » : نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً . ولم ينقص موسى قوله عنه « 4 » : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى . وهذان العظيمان قد وجدت عندهم التّقيّة نصّا ، وإنما هي عند الصدّيق هاهنا باحتمال . الثالث - أن حزن الصديق رضى اللّه عنه لم يكن لشكّ وحيرة ، وإنما كان خوفا على النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يصل إليه ضرر ، ولم يكن النبىّ في ذلك الوقت معصوما من الضرر ، فكيف يكون الصدّيق رضى اللّه عنه ضعيف القلب ، وهو لم يستخف حين مات النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ بل ظهر وقام المقام المحمود الذي تقدم ذكرنا له بقوة يقين ، ووفور علم ، وثبوت جأش ، وفصل للخطبة التي تعبى المحتالين . الآية الرابعة والعشرون - قوله تعالى « 5 » : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فيها خمس مسائل :
--> ( 1 ) في ل : في الدين . ( 2 ) في القرطبي : وخرقه والخرق : الحمق وضعف الرأي . ( 3 ) سورة هود ، آية 70 . ( 4 ) سورة طه ، آية 67 . ( 5 ) الآية الواحدة والأربعون .