ابن العربي
893
أحكام القرآن
نكتة أصولية : في هذا كله دليل على أنّ تأليف القرآن كان منزّلا من عند اللّه ، وأنّ تأليفه من تنزيله يبيّنه النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه ، ويميّزه لكتّابه ، ويرتّبه على أبوابه ، إلا هذه السورة فلم يذكر لهم فيها شيئا ؛ ليتبين الخلق أنّ اللّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا يسأل عن ذلك كله ، ولا يعترض عليه ، ولا يحاط بعلمه إلا بما أبرز منه إلى الخلق ، وأوضحه بالبيان . ودلّ بذلك على أن القياس أصل في الدين ؛ ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص ، ورأوا أنّ قصة « براءة » شبيهة بقصة « الأنفال » فألحقوها بها ؟ فإذا كان اللّه قد بيّن دخول القياس في تأليف القرآن فما ظنّك بسائر الأحكام . وفي هذه السورة إحدى وخمسون آية : الآية الأولى - قوله تعالى « 1 » : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . فيها أربع مسائل : المسألة الأولى - قوله تعالى : بَراءَةٌ ؛ أي هذه الآيات براءة من اللّه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ، يقال : برئت من الشيء أبرأ براءة فأنا منه برئ : إذا أزلته عن نفسك ، وقطعت سبب ما بينه وبينك . المسألة الثانية - قوله تعالى : إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : ولم يعاهدهم إلا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وحده ، ولكنه كان الآمر والحاكم ، وكل ما أمر به أو أحكمه فهو لازم للأمة ، منسوب إليهم ، محسوب عليهم ، يؤاخذون به ؛ إذ لا يمكن غير ذلك ؛ فإنّ تحصيل الرضا في ذلك من الجميع متعذر لوجهين : أحدهما - اختلاف الآراء ، وامتناع الاتفاق على مذهب واحد . والثاني - كثيرة عددهم المانع من تحصيل رضا جميعهم ، فوقع الاجتزاء بالمقدم من الوجهين ؛ فإذا عقد الإمام بما يراه من المصلحة أمرا لزم جميع الرعايا حكمه ، فإذا رضوا به كان أثبت
--> ( 1 ) آية 1