ابن العربي
884
أحكام القرآن
وقال أبو حنيفة : لا كفارة عليه ، وهي الرواية الأخرى . ولنا في إسقاط الكفارة عمدة ؛ فهو أن حرمة اليوم ساقطة عند اللّه ، فصادف الهتك محلّا لا حرمة له في علم اللّه فكان بمنزلة ما لو قصد وطء امرأة قد زفّت إليه ، وهو يعتقد أنها ليست بزوجه فإذا هي بزوجه . وتعلّق من أوجب الكفارة بأن طروء الإباحة لا ينتصب عذرا في عقوبة التحريم عند الهتك ، كما لو وطئ امرأة ثم نكحها ، وهذا لا يلزم ؛ لأن علم اللّه تعالى مع علمنا قد استوى في هذه المسألة بالتحريم . وفي المسألة التي اختلفنا فيها اختلف علمنا وعلم اللّه ، فكان المعوّل على علم اللّه في إسقاط العقوبة ، كما قال : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ . . . الآية . المسألة الرابعة - قال النبي صلى اللّه عليه وسلم - حين نزلت هذه الآية : لو نزلت نار من السماء لأحرقتنا إلا عمر . و في رواية : لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد ابن معاذ ، لقوله : يا نبىّ اللّه ؛ كان الإثخان في القتل أحبّ إلىّ من استبقاء الرجال . وفي رواية : لو عذّبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك . و في رواية : لقد عرض على عذابكم أدنى من هذه الشجرة . المسألة الخامسة - في هذا كلّه دليل على أن الإثخان في القتل واجب قبل كل شيء ، حتى إذا قوى المسلمون جاز الفداء ؛ للقوة على العدّة لقتالهم أيضا ، فإنما يراعى الأنظر والأوكد ، واللّه أعلم . المسألة السادسة - فإن قيل : تحقق لنا معصيتهم . قلنا : فيها ثلاثة أقوال : الأول - إسراعهم في الغنيمة قبل الإحلال . الثاني - اختيارهم الفداء قبل الإثخان في القتل . الثالث - قوله لهم « 1 » : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ؛ فأمروا بالقتل فاختاروا الفداء .
--> ( 1 ) سورة الأنفال ، آية 12