ابن العربي
885
أحكام القرآن
قلنا : أما القول الثالث فضعيف ؛ لأنه يحتمل أن يكون نزل قبل أن يبرر . ويحتمل أن يكون نزل بعده ، ولا يحتجّ بمحتمل . وأما القول الأول والثاني فمحتمل أن يكون أحدهما ، ويحتمل أن يكون مجموعهما ؛ والأظهر أنه اختيار الفداء ؛ فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم شاورهم فيه ؛ فمالوا إلى الفداء وكان اللّه قد عاتبهم على رأفتهم بالكفار مع إغلاظهم عليهم بالقتل والإداية والإخراج ، وإلى تحقيق المعصية إلى تأخيرهم القتل حتى نزل العفو . فإن قيل ، وهي : المسألة السابعة - فقد اختاره النبىّ صلى اللّه عليه وسلم معهم ، فهل يكون ذلك ذنبا منه ؟ قلنا : كذلك توهّم بعض الناس ، فقال : إنه كان من النبي صلى اللّه عليه وسلم فيه معصية غير معينة ، وحاشا للّه من هذا القول ، إنما كان من النبي صلى اللّه عليه وسلم توقّف وانتظار ، ولم يكن القتل ليفوت ، مع أنهم كانوا قد قتلوا الصناديد ، وأثخنوا في الأرض ، فانتظر النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : هل ذلك كاف فيه أم لا ؟ وهذا بيّن عند الإنصاف . الآية الحادية والعشرون - قوله « 1 » : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . فيها مسألتان : المسألة الأولى - لما أسر من أسارى « 2 » المشركين روى أنه تكلّم قوم منهم بالإسلام ، ولم يمضوا بذلك عزيمة ، ولا اعترفوا به اعترافا جازما . ويشبه أنهم أرادوا أن يقربوا من المسلمين ، ولا يبعدوا من المشركين ، فنزلت الآية . المسألة الثانية - قال علماؤنا : إن تكلّم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه ، ولم يمض به عزيمة لم يكن مؤمنا . وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا إلّا ما كان من الوسوسة التي لا يقدر المرء على دفعها ، فإنّ اللّه قد عفا عنها وأسقطها .
--> ( 1 ) آية 70 ، 71 . ( 2 ) في القرطبي ( 8 - 55 ) : لما أسر من أسر من المشركين .