ابن العربي
883
أحكام القرآن
وقد روى أبو هريرة عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : لم تحلّ الغنائم لقوم سود الرؤوس ، من قبلكم كانت تنزل نار من السماء ، فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم ، فأنزل اللّه : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ . . إلى آخر الآيتين : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً . المسألة الثانية - اختلف الناس في كتاب اللّه السابق على ثلاثة أقوال : الأول - سبق من اللّه ألا يعذب قوما حتى يتقدم إليهم . الثاني - سبق منه ألّا يعذبهم ومحمد فيهم . الثالث - سبق منه إحلال الغنائم لهم ، ولكنهم استعجلوا قبل الإحلال ، وهذا كله ممكن صحيح ، لكن أقواه ما سبق من إحلال الغنيمة ، وقد كانوا غنموا أول غنيمة في الإسلام حين أرسل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن جحش في رجب مقفله من بدر الأولى ، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد إلى نخلة ما بين مكة والطائف فيرصد بها قريشا ، فمضى ومضى أصحابه معه ، حتى نزلوا بنخلة ، فمرّت عليهم عير لقريش تحمل زيتا « 1 » وأدما وتجارة من تجارة قريش ، فيها عمرو بن الحضرمىّ ؛ فقتل عمرو ، وأقبل عبد اللّه بن جحش وأصحابه بالعير والأسرى حتى قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعزل عبد اللّه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خمس الغنيمة ، وقسّم سائرها بين أصحابه ؛ وذلك قبل أن يفرض اللّه لرسوله الخمس ، فأكلوا الغنيمة ، ونزل بعد ذلك فرض الغنيمة ، كما كان فعله عبد اللّه بن جحش من الخمس لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والأربعة الأخماس للغانمين . والذي ثبت من ذلك أكلهم الغنيمة التي غنموا ، وإحلال ما أخذلهم ، والنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ساكت عن ذلك مجيز له ؛ فكان وحيا « 2 » بسكوته وإمضائه . المسألة الثالثة - قوله تعالى : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في إحلال الغنيمة لعذّبتم بما اقتحمتم فيها مما ليس لكم اقتحامه إلا بشرع ، فكان هذا دليلا على أنّ العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراما مما هو في علم اللّه حلال إنه لا عقوبة عليه كالصائم إذا قال : هذا يوم نوبى فأفطر الآن . أو هذا يوم حيضي فأفطر ، ففعلا ذلك . وكأن النوب والحيض الموجبان للفطر ؛ ففي مشهور المذهب فيه الكفارة ، وبه قال الشافعي .
--> ( 1 ) في ا : زبيبا . ( 2 ) في ل : واجبا .