ابن العربي
867
أحكام القرآن
وكلّها مراد ، وأقواها أوسطها ؛ فإن ذلك إنما يكون عن قوة المعرفة ، ونفاذ القريحة ، واتّقاد البصيرة ، وهي الشجاعة المحمودة في الناس ، ولم يكن فيها أحد أقوى من الصدّيق رضى اللّه عنه ، فإنه كان أشجع الخليقة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأمضاهم عزيمة ، وأنفذهم قريحة ، وأنورهم بصيرة ، وأصدقهم فراسة ، وأصحهم رأيا ، وأثبتهم [ جأشا ] « 1 » ، وأصفاهم إيمانا ، وأشرحهم صدرا ، وأسلمهم قلبا . والدليل عليه ظهور ذلك المقام في مقامات ستة : المقام الأول - أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مات ولم تكن مصيبة أعظم منها ، ولا تكون أبدا ، عنها تفرّعت مصائبنا ، ومن أجلها فسدت أحوالنا ، فاختلفت الصحابة ؛ فأما علىّ فاستخفى . وأما عثمان فبهت . وأما عمر فاختلط ، وقال : ما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما واعده اللّه كما واعد موسى ، وليرجعنّ رسول اللّه فليقطعن أيدي أناس وأرجلهم ، وكان أبو بكر غائبا بمنزله بالسّنح « 2 » ، فجاء فدخل على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في بيت عائشة ، وهو ميّت مسجّى بثوبه ، فكشف عن وجهه ، وقال : بأبى أنت وأمي ، طبت حيا وميتا ! أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها « 3 » . وخرج فصعد المنبر ؛ فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فإنّ اللّه حي لا يموت ، ثم قرأ « 4 » : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ . المقام الثاني - لما توفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واختلف الناس أين يدفن ؛ فقال القوم : يدفن بمكة . وقال آخرون : ببيت المقدس . وقال آخرون : بالمدينة . فقال أبو بكر : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ما دفن قطّ نبىّ إلا حيث يموت . المقام الثالث - لما توفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أرسلت فاطمة إلى أبى بكر الصديق تقول له : لو متّ ألم تكن ابنتك ترثك ؟ قال : نعم . قالت له : فأعطني ميراثي من رسول اللّه .
--> ( 1 ) ليس في ا . ( 2 ) سنح : إحدى محال المدينة كان بها منزل أبى بكر . ( 3 ) في ل : نلتها . ( 4 ) آل عمران ، آية 144