ابن العربي

549

أحكام القرآن

مأكلة إنما هو على معنى العبث لا على معنى طلب الأكل ؛ فإنه لا ندري أنا إذا أرسلنا غير المعلم هل يدرك ذكاته أم يعقره . المسألة الحادية عشرة - أما الفهد ونحوه إذا علّم فيجوز الاصطياد به . قال ابن عباس : لو صاد علىّ ابن عرس « 1 » لأكلته ، وذلك لأنه كلب [ كله ] « 2 » في مطلق اللغة ، وقد بيناه في ملجئة المتفقهين ، فأما جوارح الطير - وهي : المسألة الثانية عشرة - فقد روى أشهب وغيره عن مالك أن البازي والصقر والعقاب وما أشبه ذلك من الطير إذا كان معلما يفقه ما يفقه الكلب فإنه يجوز صيده ، وبه قال عامة العلماء . وفيه خلاف عن علىّ لا نبالى به . واختلف علماؤنا ؛ هل يؤخذ صيدها من ظاهر القرآن أو من الحديث ؟ فقالت طائفة : يؤخذ من ظاهر القرآن من قوله : مُكَلِّبِينَ . والتكليب هو التّضرية بالشيء والتسليط عليه لغة ، وهذا يعمّ كل معلم مكلّب ضار . وقال : أخذ من الحديث ، وروى عدى بن حاتم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه سأل عن صيد البازي ، فقال : ما أمسك عليك فكل . رواه الترمذي « 3 » وغيره ، فعلق النبي صلى اللّه عليه وسلم الأكل في صيد البازي على ما علق اللّه سبحانه الأكل في صيد الكلب ، وهو الأكل مما أمسك عليك حسبما بيناه . المسألة الثالثة عشرة - قوله تعالى : وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ : اتفقت الأمة على أن الآية لم تأت لبيان التحليل في المعلّم من الجوارح الأكل ، وإنما مساقها تحليل صيده ، وقالوا في تأويله : أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح . فحذف « صيد » وهو المضاف ، وأقام ما بعده وهو المضاف إليه مقامه . ويحتمل أن يكون معناه أحل لكم الطيبات ، والذي علمتم من الجوارح مبتدأ ، والخبر في قوله : فكلوا مما أمسكن عليكم . وقد تدخل الفاء في خبر المبتدأ كما قال الشاعر « 4 » : وقائلة خولان فانكح فتاتهم * وأكرومه الحيين خلو كماهيا وقد حققنا ذلك في رسالة ملجئة المتفقهين .

--> ( 1 ) ابن عرس : دويبة تشبه الفأر ( المصباح ) . ( 2 ) من ل . ( 3 ) السنن : 4 - 66 ، برقم 1467 . ( 4 ) خزانة الأدب : 411 ، وقد تقدم .