ابن العربي

790

أحكام القرآن

عثمان يفعله ، فكان عثمان يتمّ في السفر ؛ لأنه رأى ذلك مفسدا لعقائد العامة ، فرأى حفظ ذلك بترك يسير من السنة . المسألة الثانية - رأى قوم من أهل الجفاء أن يصوموا ثاني عيد الفطر ستة أيام متواليات إتماما لرمضان ، لما روى في الحديث : من صام رمضان وستّا من شوال فكأنما صام الدهر . خرجّه مسلم . وهذه الأيام متى صمت متصلة كان احتذاء لفعل النصارى ، والنبىّ صلى اللّه عليه وسلم لم يرد هذا ، إنما أراد أن من صام رمضان فهو بعشرة أشهر ، ومن صام ستة أيام فهي بشهرين ؛ وذلك الدهر . ولو كانت من غير شوّال لكان الحكم فيها كذلك ، وإنما أشار النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بذكر شوال لا على طريق التعيين ؛ لوجوب مساواة غيرها لها في ذلك ؛ وإنما ذكر شوّال على معنى التمثيل ، وهذا من بديع النظر فاعلموه . الآية الثالثة عشرة - قوله تعالى « 1 » : وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ . فيها ستّ مسائل : المسألة الأولى - ضرب الأجل للمواعيد سنّة ماضية ومعنى قديم أسّسه اللّه في القضايا وحكم به للأمم ، وعرّفهم به مقادير التأنى في الأعمال . وإن أول أجل ضربه الأيام الستة التي مدّها لجميع الخليقة فيها ، وقد كان قادرا في أن يجعل ذلك لهم في لحظة واحدة ؛ لأنّ قوله لشيء إذا أراده أن يقول له : كن فيكون ؛ بيد « 2 » أنه أراد تعليم الخلق التأني وتقسيم الأوقات على أعيان المخلوقات ؛ ليكون لكلّ عمل وقت . وقد أشبعنا القول فيه في كتاب المشكلين . المسألة الثانية - إذا ضرب الأجل لمعنى يحاول فيه تحصيل المؤجّل لأجله ، فجاء الأجل ، ولم يتيسّر زيد فيه تبصرة ومعذرة ؛ وقد بيّن اللّه ذلك في قصة موسى صلى اللّه عليه وسلم ،

--> ( 1 ) الآية الثانية والأربعون بعد المائة . ( 2 ) بيد : غير .