ابن العربي
791
أحكام القرآن
فضرب له أجلا ثلاثين ليلة ، فخرج لوعد ربه ، فزاد اللّه عشرا تتمة أربعين ليلة ، وأبطأ موسى في هذه العشر على قومه ، فما عقلوا جواز التأخر لعذر حتى قالوا : إنّ موسى ضلّ أو نسي ، ونكثوا عهده ، وبدّلوا بعده ، وعبدوا إلها غير اللّه . المسألة الثالثة - الزيادة التي لا تكون على الأجل غير مقدرة ، كما أن الأجل غير مقدر ، وإنما يكون ذلك باجتهاد الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالأمر ؛ من وقت وحال وعمل ، فيكون الأجل بحسب ذلك ؛ فإذا قدّر الزيادة باجتهاده ، فيستحبّ له أن تكون [ الزيادة ] مثل ثلث المدة السالفة ، كما أجّل اللّه لموسى في الزيادة ثلث ما ضربه له من المدة . وإن رأى الحاكم أن يجمع له الأصل في الأجل والزيادة في مدة واحدة جاز ، ولكن لا بدّ من التربّص « 1 » بعدها لما يطرأ من العذر على البشر . المسألة الرابعة - التاريخ إنما يكون بالليالي دون الأيام ؛ لأنّ الليالي أوائل الشهور ، وبها كانت الصحابة تخبر عن الأيام ، حتى روى عنها أنها كانت تقول : صمنا خمسا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . والعجم تخالفنا ذلك فتحسب بالأيام ؛ لأنّ معوّلها على الشمس ، وحساب الشمس للمنافع ، وحساب القمر للمناسك ، ولهذا قال تعالى : وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ، فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً . المسألة الخامسة - اتفق كثير من المفسرين على أنّ الأربعين ليلة هي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة ، وكان كلام اللّه لموسى غداة يوم النحر حين فدى إسماعيل من الذبح ، وأكمل لمحمد الحجّ ، وجعل يوم الحجّ الأكبر . وهذا إن ثبت من طريق الخبر فلا بأس به ، وإن كان غير ثابت فالأيام العشر ذات فضل يبيّن في موضعه إن شاء اللّه تعالى . المسألة السادسة - الوقت معنى غير مقدر ، والميقات : هو الوقت الذي بقدّر بعمل . الآية الرابعة عشرة - قوله تعالى « 2 » : وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ .
--> ( 1 ) التربص : الانتظار . ( 2 ) الآية الخامسة والأربعون بعد المائة .