ابن العربي

544

أحكام القرآن

فأما الشافعىّ فأخذ بمطلق النهى ، وجعله عامّا في حال الانفصال والاتصال ، وأما ابن حبيب وأبو حنيفة فأخذا بالمعنى ، وذلك أنه إذا كانا متصلين كان الذبح بهما خنقا ، وأما إذا كانا منفصلين كانا بمنزلة الحجر والقصب ، وهذا أشبه بمذهب الشافعي ، كما أن مذهبنا أولى بمذهب الشافعي ؛ لأنّ الذكاة عندنا عبادة ، فكانت باتباع النصّ في الآلة أولى ، وعنده أنها معقولة المعنى ، فكان بإنهار الدم بكل شيء أولى ، ولكن معنى ذلك أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم لما نصّ على السنّ والظفر وقف الشافعىّ عنده وقفة قاطع للنظر حين قطع الشرع به عنه . ورأى علماؤنا أن النهى عن السنّ والظفر ، إنما هو لأجل أنّ من كان يفعله لم يبال أن تخلط الذكاة بالخنق ، فإذا كانت على يدي من يفصلهما جاز ذلك إذا انفصلا . المسألة السادسة عشرة - أطلق علماؤنا على المريضة أنّ المذهب جواز تذكيتها ولو أشرفت على الموت إذا كانت فيها بقية حياة . وليت شعري أي فرق بين بقية حياة من مرنس أو بقية حياة من سبع لو اتسق النظر وسلمت عن الشّبه الفكر . وقد بينا ذلك في المسائل . المسألة السابعة عشرة - قولهم : إن الاستثناء يرجع إلى التحريم لا إلى المحرم ، وهو كلام من لم يفهم ما التحريم . وقد ثبت « 1 » أنّ التحريم حكم من أحكام اللّه تعالى ، وقد شرحنا في غير موضع أنّ الأحكام ليست بصفات للأعيان ، وإنّما هي عبارة عن قول اللّه سبحانه ، وليس في القول استثناء ، إنما الاستثناء في المقول [ فيه ] « 2 » وهو المخبر عنه « 3 » . المسألة الثامنة عشرة - قوله تعالى : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ : معناه تطلبوا ما قسم لكم ، وجعله من حظوظكم وآمالكم ومنافعكم ، وهو محرم فسق ممن فعله ؛ فإنه تعرّض لعلم الغيب ، ولا يجوز لأحد من خلق اللّه أن يتعرض للغيب ولا يطلبه ؛ فإن اللّه سبحانه قد رفعه بعد نبيه إلّا في الرؤيا .

--> ( 1 ) في ل : وقد بينا لكم رحمكم اللّه . ( 2 ) من ل . ( 3 ) ترك الحكم في قوله تعالى : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ . وفي القرطبي ( 6 - 57 ) : قال ابن فارس : النصب : حجر كان ينصب فيعبد ونصبت عليه دماء الذبائح . وقال ابن جريج : كانت العرب تذبح بمكة وتنضح بالدم ما أقبل من البيت ، ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة ، فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي : نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال ، فكأنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يكره ذلك ؛ فأنزل اللّه تعالى : لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها . ونزلت : وما ذبح على النصب . المعنى : والنية فيها تعظيم النصب ، لا أن الذبح عليها غير جائز .