ابن العربي
726
أحكام القرآن
وعلى إقرارهم على هذا الإنكار بذلوا الجزية ، ولكنهم يحلفون ، كما روى أبو داود وغيره أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال لليهود : أنشدكم باللّه الذي أنزل التوراة على موسى ، وتغلّظ عليهم بالمكان في كنائسهم ، وبالزمان بعد صلاتهم ، كما تقدم ذكره في قصة دقوقاء « 1 » ؛ فإنّ الغرض من هذا التغليظ كلّه زجر الحالف عن الباطل ، والرجوع إلى الحق ، ورهبته بما يجلّ من ذلك ، حتى يكون ذلك داعية للانكفاف عن الباطل والرجوع إلى الحق ، وهو معنى « 2 » : ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها . وقد حققنا هذا الغرض ، فقلنا : إن اللّه سبحانه ما غلظ في كتابه يمينا ، إنما قال : فيقسمان باللّه . وقال تعالى « 3 » : قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ . وقال مخبرا عن خليله « 4 » : وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ . وقال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصمت . ولكن قد روى البخاري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : اتّقوا اللّه ، فو اللّه الذي لا إله إلّا هو لتعلمنّ أنّى رسول اللّه حقا . وروى النسائي وأبو داود أنّ خصمين أتيا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم للمدّعى : البينة . قال : يا رسول اللّه ، ليس لي بيّنة . فقال للآخر : احلف باللّه الذي لا إله إلا هو ما له عليك شيء ، أو ما له عندك شيء . وتغليظ العدد في اللعان ، وهو التكرار ، وفي القسامة « 5 » مثله . وزعم الشافعي أنه رأى ابن مازن قاضى صنعاء يحلف بالمصحف ويؤثر أصحابه « 6 » ذلك عن ابن عباس ، ولم يصحّ . وأما التغليظ بالحال فروى عن مطرّف وابن الماجشون وبعض أصحاب الشافعي أنه يحلف قائما مستقبل القبلة . وروى ابن كنانة عن مالك : يحلف جالسا .
--> ( 1 ) دقوقاء : مدينة بين إربل وبغداد لها ذكر في الأخبار والفتوح ، كان بها وقعة للخوارج ( ياقوت ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية 108 . ( 3 ) سورة يونس ، آية 53 . ( 4 ) سورة الأنبياء ، آية 57 . ( 5 ) القسامة : الأيمان تقسم على الأولياء في الدم ( المختار ) . ( 6 ) ويؤثر أصحابه : ينقلون .