ابن العربي

720

أحكام القرآن

وقد جعل أهل الصناعة هنا « بين » للظرف ، وكثر ذلك حتى جعل اسما في الأهواء المتباينة ، مجازا يعبّر به عنها ، وعليه يخرج : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ على قراءة الرفع . المعنى : لقد تفرّقت أهواؤكم وأخلاقكم . وتارة تضاف بالكناية إليه فيقال : ذات البين . قال اللّه سبحانه « 1 » : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ . قال الشاعر : وأهل خباء صالح ذات بينهم كما تقدم . ويقال : الأمر الذي بينكم ، وما بينكم مبهم ، معناه الأمر الذي فرقكم . فإذا ثبت هذا فمعنى قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ، أي شهادة اختلافكم وتنازعكم ؛ فتكون الشهادة مضافة إلى المصدر ، لا إلى الظرف ولا على تقدير محذوف . وهذه غاية البيان ، ولو هدى له من تكلم على الآية ما تخبّط فيها ولا خلط معانيها . المسألة السادسة - قوله تعالى : إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ : ولفظ « حضر » يعبّر به عن الوجود مشاهدة ، وضدّه غاب ، وهو أيضا عبارة عن الوجود الذي لم يشاهد ، وقد يعبّر بقولك : « غاب » عن المعدوم . والباري - سبحانه - عالم الغيب والشهادة ؛ أي عالم الموجود والمعدوم ؛ لأنه مثل الوجود في عدم المشاهدة . وقد وردت هذه اللفظة عبارة عن الموت في كتاب اللّه حقيقة ، وهو في قوله تعالى « 2 » : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ . وفي قوله « 3 » : حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ؛ فهو في هذين الموضعين حقيقة الوجود مشاهدة . وأما ورودها مجازا فبأن يعبّر عن حضور سببه بحضوره ، وهو المرض ، فيعبّر عن المسبّب بالسبب ، وهو أحد قسمي المجاز ، كما بينّاه في غير موضع . المسألة السابعة - قوله تعالى : حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ : ومعنى « حين » وقت ؛ وتقدير الآية شهادة بينكم إذا أردتم الوصية ، وقد مرضتم ؛

--> ( 1 ) سورة الأنفال ، آية 1 . ( 2 ) سورة النساء ، آية 18 . ( 3 ) سورة المؤمنون ، آية 99