ابن العربي

691

أحكام القرآن

ودليلنا ما روى عن ابن عباس أنه قال : لا زكاة في العنبر ، إنما هو شيء يقذفه البحر ، ولأنه من فوائد البحر ، فلا يجب فيه حقّ - أصله السمك . وهذا الفقه صحيح ؛ وذلك لأنّ البحر لم يكن في أيدي الكفرة فتجرى فيه الغنيمة ، وإنما هو من جملة المباح المطلق ، كالصيد . فإن قيل : فما تقولون في ذهب يوجد في البحر ؟ قلنا : لا رواية فيه . ويحتمل أن يقال : إنه يجب ؛ لأن البحر ليس بمعدن للذهب ، فوجوده فيه يدلّ على أن السيول قذفته فيه . وقال بعض الحنيفة : يحتمل ألا يجب فيه شيء ، لأن في البحر جبالا لا يد لأحد عليها . الآية الثامنة والعشرون - قوله تعالى « 1 » : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . فيه تسع مسائل : المسألة الأولى - قوله تعالى : جَعَلَ اللَّهُ : وهو يتصرف على ثلاثة أوجه : الأول - بمعنى « 2 » سمّى ، ومنه قوله تعالى « 3 » : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . وقد بيناه في كتاب المشكلين بما ينبغي . الثاني - بمعنى خلق ، كما ورد في القرآن كثيرا ، منها قوله سبحانه « 4 » : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ . الثالث - بمعنى صيّر ، كقولك : جعلت المتاع بعضه على بعض . وتحقيقه هاهنا خلق ثانيا وصفا لشيء مخلوق أولا ، وذلك أنه خلق الكعبة وجودا أولا ، ثم خلق فيها صفات ثانيا ، فخلق عام في الأول والثاني ، وجعل خاص في الثاني خبر عن الصفات التي فيها على ما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى . المسألة الثانية - قوله تعالى : الْكَعْبَةَ :

--> ( 1 ) الآية السابعة والتسعون . ( 2 ) أي جعل بمعنى سمى . ( 3 ) سورة الزخرف ، آية 3 ( 4 ) سورة الأنعام ، آية 1 .