ابن العربي
692
أحكام القرآن
وفيها قولان : أحدهما أنها سميت كعبة لتربّعها ؛ قاله مجاهد وعكرمة . الثاني - أنها سميت كعبة لنتوئها « 1 » وبروزها ؛ فكل ناتئ بارز كعب ، مستديرا كان أو غير مستدير ، وهذا هو الأصح ، يقال : كعب ثدي المرأة ؛ وهذه صفتها هنا ، وقد شرحنا أمرها في إيضاح الصحيحين . المسألة الثالثة - قوله : الْبَيْتَ الْحَرامَ : سمّاها اللّه سبحانه بيتا ؛ لأنها ذات سقف وجدار ، وهي حقيقة البيتية ، وإن لم يكن بها ساكن ؛ ولكن جعل لها شرف الإضافة بقوله « 2 » : أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ . وقال « 3 » : وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ . على ما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى . المسألة الرابعة - قوله : الْحَرامَ : سمّاها اللّه سبحانه حراما بتحريمه إياها . قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم « 4 » : إنّ مكة حرّمها اللّه ، ولم يحرّمها الناس ، فهي حرام بحرمة اللّه تعالى ، لا يحلّ لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد « 5 » بها شجرا ، فإن أحد ترخّص بقتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقولوا له : إن اللّه سبحانه أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، وليبلغ الشاهد الغائب . رواه الكل من الأئمة ، وثبت عنه في رواية الأئمة أنه قال صلى اللّه عليه وسلم في حجّة الوداع : أي شهر هذا ؟ فسكتنا « 6 » ، حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه ، فقال : أليس ذا الحجة ؟ قلنا : بلى . قال : أىّ بلد هذا ؟ فسكتنا ، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . فقال : أليس البلدة ؟ يعنى قوله تعالى « 7 » : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ . وفي رواية أنه قال : أليس البلد الحرام ؟ قلنا : اللّه ورسوله أعلم . ومعنى قوله تعالى : حرّمها ؛ أي بعلمه وكتابه وكلامه وإخباره بتحريمها وخلقه لتحريمها ، كلّ ذلك منه صحيح ، وإليه منسوب .
--> ( 1 ) في ل : لثبوتها ، وهو تحريف . ( 2 ) سورة البقرة ، آية 125 . ( 3 ) سورة الحج ، آية 29 . ( 4 ) صحيح مسلم : 987 . ( 5 ) يعضد : يقطع . ( 6 ) في ا : فسكت . ( 7 ) سورة النمل ، آية 91