ابن العربي
689
أحكام القرآن
المسألة الثامنة - فإن صاده الحلال في الحلّ ، فأدخله في الحرم جاز له التصرف فيه بكل نوع من ذبحه وأكل لحمه . وقال أبو حنيفة : لا يجوز ؛ ودليلنا أنه معنى يفعل في الصيد ؛ فجاز في الحرم الحلال كالإمساك والشراء ، ولا خلاف فيهما . قال علماؤنا : ولأنّ المقام في الحرم يدوم ، والإحرام ينقطع ، فلو حرّمنا عليه ذلك في الحرم لأدّى إلى مشقّة عظيمة ، فسقط التكليف عنه فيه لذلك . وهذا من باب تخصيص العموم بالمصالح ، وقد مهدناه في أصول الفقه ، والمصلحة من أقوى أنواع القياس . المسألة التاسعة - إذا كان المحرم محرما بدخول حرم المدينة لم يجز له الاصطياد فيه . وقال أبو حنيفة : يجوز له ذلك . ودليلنا قوله صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : اللهم إنّ إبراهيم عبدك وخليلك حرّم مكة ، وإني أحرم المدينة بمثل ما حرّم به إبراهيم مكة ، ومثله معه ؛ لا يقطع عضاهها « 2 » ولا يصاد صيدها . وهذا نصّ صحيح صريح ، خرجه الأئمة : واللفظ لمسلم . المسألة العاشرة - إذا صاد بالمدينة كان آثما ولم يكن عليه جزاء إن قتله بها . وقال سعد : جزاؤه أخذ سلبه . وقال ابن أبي ذئب : عليه الجزاء . أما قول سعد : فإن مسلما خرج عنه أنّ رجلا صاد بالمدينة فلقيه سعد فأخذ سلبه فكلّم في ردّه ، فقال : ما كنت لأردّ شيئا نفّلنيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ وهذا مخصوص بسعد ؛ لأنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لم يقل من لقى صائدا بالمدينة فليستلبه ثيابه كائنا من كان . وأما ابن أبي ذئب فاحتجّ بأنه حرم ، فكان الجزاء على من قتل فيه صيدا ، كما يفعل في حرم مكة . وقال علماؤنا : لو كان حرم المدينة كحرم مكة ما جاز دخولها إلا بالإحرام ، فافترقا . وقد جعل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم جزاء المتعدى فيه ما روى أن من أحدث أو آوى
--> ( 1 ) صحيح مسلم : 991 . ( 2 ) العضاهة - بالكسر : أعظم الشجر ، أو كل ذات شوك . والجمع عضاه ( القاموس ) .