ابن العربي
665
أحكام القرآن
والجواب أن هذا بناء على دعوى ؛ فإنّ المحرم ليس بأهل لذبح الصيد ؛ إذ الأهلية لا تستفاد عقلا ، وإنما يفيدها الشرع ، وذلك بإذنه في الذبح ؛ أو ينفيها الشرع أيضا ؛ وذلك بنهيه عن الذبح . والمحرم منهىّ عن ذبح الصيد بقوله تعالى : لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ؛ فقد انتفت الأهلية بالنهى . وأما قولهم : فأفاد مقصوده ، فقد اتفقنا على أن المحرم إذا ذبح الصيد لا يحلّ له أكله « 1 » ؛ وإنما يأكل منه عندهم غيره ، فإذا كان الذبح لا يفيد الحلّ للذابح فأولى وأحرى ألّا يفيده لغيره ؛ لأنّ الفرع تبع للأصل في أحكامه ، فلا يصحّ أن يثبت له ما لا يثبت لأصله . وإذا بطل منزع الشافعىّ ومأخذه فقد اعتمد علماؤنا سوى ما تقدّم ذكره على أنه ذبح محرّم لحقّ اللّه تعالى لمعنى في الذابح ، فلا يجوز كذبح المجوسي ، وهذا صحيح . فإن الذي قال « 2 » : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ هو القائل : لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ . والأوّل نهى عن المقصود بالسبب ؛ فدلّ على عدم السبب . والثاني نهى عن السبب ، فدلّ على عدمه شرعا ، فلا يفيد مقصوده حكما ، وهذا من نفيس الأصول فتأمّلوه . وقول علمائنا : لمعنى في الذابح فيه احتراز من السكين المغصوبة « 3 » والكالّة وملك الغير ، فإن كلّ ذلك من التذكية منهىّ عنه ، ولكنه لما لم يكن لمعنى في الذابح ولا في المذبوح لم يحرّم . المسألة الرابعة - لما قال اللّه تعالى : لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ؛ فجعل القتل منافيا للتذكية خارجا عن حكم الذبح للأكل - قال علماؤنا : إذا قال : للّه علىّ أن أقتل ولدي فهو عاص ، ولا شيء عليه . وإذا قال : للّه علىّ أن أذبح ولدي فإنه يفتديه بشاة على تفصيل بيانه في مسائل الخلاف ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى في سورة الصافات بيانه .
--> ( 1 ) في ل : لا يحل له أن يأكل منه عندهم . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية 121 . ( 3 ) في ل : المعضوبة .