ابن العربي

623

أحكام القرآن

فأمر الشرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج ، وأذن في التحكيم تخفيفا عنه وعنهم في مشقّة الترافع ، لتمّ المصلحتان ، وتحصل الفائدتان . والشافعي ومن سواه لا يلحظون الشريعة بعين مالك رحمه اللّه ، ولا يلتفتون إلى المصالح ، ولا يعتبرون المقاصد ، وإنما يلحظون الظّواهر وما يستنبطون منها ، وقد بيّنا ذلك في أصول الفقه والقبس في شرح موطّأ مالك بن أنس . ولم أرو في التحكيم حديثا حضرني ذكره الآن إلّا ما أخبرني به القاضي العراقي ، أخبرنا الجوني ، أخبرنا النيسابوري ، أخبرنا النسائي ، أخبرنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا يزيد - يعنى ابن المقدام بن شريح ، عن أبيه شريح ، عن أبيه هانئ ، قال : لما وفد إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع قومه سمعهم وهم يكنونه أبا الحكم ، فدعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : إن اللّه هو الحكم ، وإليه الحكم ، فلم تكنى أبا الحكم ؟ فقال : إنّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم ، فرضي كلا الفريقين . فقال : ما أحسن هذا ؟ فما لك من الولد ؟ قال : لي شريح ، وعبد اللّه ، ومسلم . قال : فمن أكبرهم ؟ قال : شريح . قال : فأنت أبو شريح ، ودعا له ولولده . المسألة السابعة - كيف أنفذ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم الحكم بينهم ؟ اختلف في ذلك جواب العلماء على ثلاثة أقوال : الأول - أنه حكم بينهم بحكم الإسلام ، وأن أهل الكتاب من زنى منهم وقد تزوّج عليه الرّجم ، فيحكم عليهم به الإمام ، ولا يشترط الإسلام في الإحصان ؛ قاله الشافعي . الثاني - حكم النبىّ عليه السّلام عليهم بشريعة موسى عليه السّلام وشهادة اليهود ، إذ شرع من قبلنا شرع لنا ، فيلزم العمل بها حتى يقوم الدليل على تركها . وقد بيّنا ذلك في أصول الفقه ، وفيما تقدّم من قولنا ، وإنه الصحيح من المذهب الحقّ في الدليل حسبما تقدم ؛ قاله عيسى عن ابن القاسم . الثالث - إنما حكم النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بينهم ؛ لأنّ الحدود لم تكن نزلت ، ولا يحكم الحاكم اليوم بحكم التوراة ؛ قاله في كتاب محمد .