ابن العربي
441
أحكام القرآن
وروى عن الشافعي أنه قال : يباح التيمم للمريض إذا خاف التلف ؛ ونظر إلى أنّ زيادة المرض غير متحققة ، لأنها قد تكون وقد لا تكون ، ولا يجوز ترك الفرض المتيقّن للخوف المشكوك فيه . قلنا : ظاهر الآية يجوّز له التيمم ؛ فليس لك في هذا القول أصل تردّ إليه كلامك ؛ بل قد ناقضت ؛ فإنك قلت : إذا خاف التلف من البرد تيمّم ، فكما يبيح التيمم خوف التلف كذلك يبيحه له خوف المرض ؛ فإن المرض محذور ، كما أنّ التلف محذور ، وكذلك يقول : إذا خاف المرض من البرد يتيمّم فكيف بزيادة المرض ؟ وقد روى جابر بن عبد اللّه قال : خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر في رأسه فشجّه ثم احتلم ، فقال لأصحابه : هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ فقالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ؛ فاغتسل ، فمات ؛ فلما قدمنا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخبر بذلك ، فقال : قتلوه ، قتلهم اللّه . ألا سألوا إذا لم يعلموا ! فإنما شفاء العىّ السؤال ؛ إنما كان يكفيه أن يتيمّم ، أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده . خرّجه أبو داود وغيره . وعجبا للشافعي يقول : لو زاد الماء على قيمته حبّة لم يلزم شراؤه صيانة للمال ؛ ويلزمه التيمم ، وهو يخاف على بدنه المرض ، وليس لهم عليه كلام يساوى سماعه . المسألة التاسعة عشرة - قوله تعالى : أَوْ عَلى سَفَرٍ : روى أنّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أصابتهم جراحة ففشت فيهم ، ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك ، فنزلت هذه الآية . وقالت عائشة : كنت في مسير مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى إذا كنت بذات الجيش ضلّ عقد لي . . . الحديث « 1 » إلى آخره . قال : فنزلت آية التيمم ، وهي معضلة ما وجدت لدائها من دواء عند أحد ، هما آيتان فيهما ذكر التيمم : إحداهما في النساء ، والأخرى في المائدة « 2 » ، فلا نعلم أية آية عنت عائشة . وآية التيمم المذكورة في حديث عائشة النازلة عند فقد العقد كانت في غزوة
--> ( 1 ) الحديث بتمامه في أسباب النزول 87 ( 2 ) أي هذه الآية في النساء ، وآية المائدة : 6