ابن العربي

439

أحكام القرآن

وفي الحديث الصحيح أن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم أتى بصبي لم يأكل الطعام فبال على ثوبه فأتبعه بماء ولم يغسله . وهذا نص . المسألة الثالثة عشرة - لما قال : حَتَّى تَغْتَسِلُوا اقتضى هذا عموم إمرار الماء على البدن كلّه باتفاق ؛ وهذا لا يتأتّى إلّا بالدّلك ، وأعجب لأبى الفرج الذي رأى وحكى عن صاحب المذهب أنّ الغسل دون ذلك يجزى ؛ وما قاله مالك قط « 1 » نصّا ولا تخريجا ، وإنما هي من أوهامه ؛ فإن اللفظ إذا كان غريبا لم يخرج عند مالك أو كان احتياطا لم يعدل عنه ، ولو صببت على نفسك الماء كثيرا ما عمّ حتى تمشى يدك ؛ لأنّ البدن بما فيه من دهنية يدفع الماء عن نفسه . المسألة الرابعة عشرة - إذا عمّ المرء نفسه بالماء أجزأه إجماعا ، إلّا أنّ الأفضل له أن يمتثل فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد ثبت عنه من طرق في دواوين صحاح على السنة عدول قالوا : روت عائشة : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم يأخذ الماء فيدخل فيه أصابعه وفي أصول الشّعر ، حتى إذا رأى أن قد أروى بشرته حفن على رأسه ثلاث حفنات ، ثم أفاض على سائر جسده ، ثم غسل رجليه . وفي رواية ميمونة : ثم غسل جسده . و روى أبو داود والترمذي ، عن أبي هريرة - أن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : تحت كل شعرة جنابة ، فاغسلوا الشّعر ، وأنقوا البشرة . قال أبو داود : لم أدخل في كتابي إلّا الحديث الصحيح ، أو ما يقرب من الصحيح . المسألة الخامسة عشرة - لما قال اللّه سبحانه : حَتَّى تَغْتَسِلُوا وفهم الكلّ منه عموم البدن بالماء والغسل بالغ قوم منهم أبو حنيفة فقال : إن المضمضة والاستنشاق واجبان في غسل الجنابة ؛ لأنهما من جملة الوجه ، وحكمهما حكم ظاهر الوجه بدليل غسلهما من النجاسة ، كما يغسل الخدّ والجبين ؛ وهي مسألة خلاف كبيرة ، وقد بيّنا ما فيها . واللباب منها أنّ الفم والأنف باطنان حقيقة وحكما ؛ أمّا الحقيقة فإنك تشاهد بطونهما

--> ( 1 ) في ا : وما قاله ، فظاهر نصا لا تخريجا ، وهو تحريف .