ابن العربي

419

أحكام القرآن

ضد الوصل . ما لا ينبغي من القول . مجانبة الشيء ، ومنه الهجرة . هذيان المريض . انتصاف النهار . الشاب « 1 » الحسن . الحبل الذي يشدّ في حقوق البعير ثم يشدّ في أحد رسغيه . ونظرنا في هذه الموارد فألفيناها تدور على حرف واحد وهو البعد عن الشيء فالهجر قد بعد عن الوصل الذي ينبغي من الألفة وجميل الصّحبة ، وما لا ينبغي من القول قد بعد عن الصواب ، ومجانبة الشيء بعد منه وأخذ في جانب آخر عنه ، وهذيان المريض قد بعد عن نظام الكلام ، وانتصاف النهار قد بعد عن طرفيه المحمودين في اعتدال الهواء وإمكان التصرف . والشاب الحسن قد بعد عن العاب « 2 » ، والحبل الذي يشدّ به البعير قد أبعده عن استرساله في تصرّفه واسترسال ما ربط عن تقلقله وتحركه . وإذا ثبت هذا ، وكان مرجع الجميع إلى البعد فمعنى الآية : أبعدوهنّ في المضاجع . ولا يحتاج إلى هذا التكلّف الذي ذكره العالم ، وهو لا ينبغي لمثل السدى والكلبي فكيف أن يختاره الطبري ! فالذي قال : يوليها ظهره جعل المضجع ظرفا للهجر ، وأخذ القول على أظهر الظاهر ، وهو حبر الأمة ، وهو حمل الأمر على الأقل ، وهي مسألة عظيمة من الأصول . والذي قال يهجرها في الكلام حمل الأمر على الأكثر الموفى ، فقال : لا يكلمها ولا يضاجعها ، ويكون هذا القول كما يقول : اهجره في اللّه ، وهذا هو أصل مالك ، وقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال في تفسير الآية : بلغنا أنّ عمر بن عبد العزيز كان له نساء فكان يغاضب بعضهنّ ، فإذا كانت ليلتها يفرش في حجرتها وتبيت هي في بيتها ، فقلت لمالك : وذلك له واسع ؟ قال : نعم ، وذلك في كتاب اللّه تعالى : وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ . والذي قال : لا يكلّمها وإن وطئها فصرفه نظره إلى أن جعل الأقلّ في الكلام ، وإذا وقع الجماع فترك الكلام سخافة ، هذا وهو الراوي عن ابن عباس ما تقدّم من قوله . والذي قال : يكلمها بكلام فيه غلظ إذا دعاها إلى المضجع جعله من باب ما لا ينبغي من القول .

--> ( 1 ) في ل : والشباب . ( 2 ) العاب : العيب والذم .