ابن العربي

409

أحكام القرآن

إذ كان من حقه أن يشترى لنفسه ويشاور « 1 » من يعلم أو يوكله ، وإذا رددناه فلأنّه من أكل المال بالباطل ؛ إذ ليس تبرعا ولا معاوضة ؛ فإنّ المعاوضة عند الناس لا تخرج إلى هذا التفاوت ، وإنما هو من باب الخلابة ، والخلابة ممنوعة شرعا مع ضعفها كالغلابة - وهو الغصب ، ممنوعة شرعا مع قوتها « 2 » ، وتدخل تحت قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : لا ضرر ولا ضرار . ألا ترى أن تلقّى الركبان يتعلق به الخيار عند تبيّن الحال ، وهو من هذا الباب ، وقد قرّرناه قبل هذا في موضعين ، فلنجمع الكلام على الآية فيها كلّها . المسألة السادسة - قال عكرمة والحسن البصري وغيرهما : خرج عن هذه الآية التبرّعات كلها ، وإنما جوّز الشرع التجارة وبقي غيرها على مقتضى النهى حتى نسخها قوله « 3 » : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا . . . ؛ وهذا ضعيف جدا ؛ فإنّ الآية لم تقتض تحريم التبرعات ؛ وإنما اقتضت تحريم المعاوضة الفاسدة ؛ وقد بينا ذلك في القسم الثاني من الناسخ والمنسوخ . المسألة السابعة - قوله تعالى : عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ : وهو حرف أشكل على العلماء حتى اضطربت فيه آراؤهم : قال بعضهم : التراضي هو التخاير بعد عقد البيع قبل الافتراق من المجلس ، وبه قال ابن عمر وأبو هريرة وشريح والشعبي وابن سيرين والشافعي ، وتعلّقوا بحديث ابن عمر وغيره « 4 » : المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلّا بيع الخيار . وقال آخرون : إذا تواجبا بالقول فقد تراضيا ، يروى عن عمر وغيره ، وبه قال أبو حنيفة ومالك والصحابة . واختار الطبري أن يكون تأويل الآية : إلا تجارة تعاقدتموها وافترقتم بأبدانكم عن تراض منكم فيها ؛ وهذه دعوى إنما يدلّ مطلق الآية على التجارة على الرضا ، وذلك ينقضي بالعقد ، وينقطع بالتواجب ، وبقاء التخاير في المجلس لا تشهد له الآية لا نطقا ولا تنبيها ، وكلّ آية وردت في ذكر البيع والشراء والمدينة والمعاملة إنما هي مطلقة لا ذكر للمجلس

--> ( 1 ) في ا : وليشاور . ( 2 ) في ل : مع قوته . ( 3 ) سورة النور ، آية 61 ( 4 ) صحيح مسلم : 1163 ، وفيه : البيعان .