ابن العربي
410
أحكام القرآن
فيها ولا لافتراق الأبدان منها ؛ كقوله « 1 » : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ؛ فإذا عقد ولم يبرم لم يكن وفاء ، وإذا عقد ورجع عن عقده لم يكن بين الكلام والسكوت فرق ، بل السكوت خير منه ، لأنه تعب « 2 » ولا التزم ولا أخبر عن شيء ، فتبيّن الأمر ، وتقدّم العذر ، وإذا عقد وحلّ بعد ذلك كان كلامه تعبا ولغوا ، وما الإنسان لولا اللسان ، وقد أخبر بلسانه عن عقده ورضاه ، فأىّ شيء بقي بعد هذا ؟ وكذلك قوله في آية الدّين « 3 » : وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ، فإذا أملى وكتب وأعطى الأجرة ثم عاد ومحا ما كتب كان تلاعبا وفسخا لعقد آخر قد تقرّر . وكذلك قال « 4 » : وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ، وإذا حلّه فقد بخسه كلّه . وكذلك قال « 5 » : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ . وعلى أي شيء يشهدون ؟ ولم يلزم عقد ولا انبرم أمر . وكذلك قوله : وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ يلزم منه ما لزم من قوله : وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ . وكذلك قوله « 6 » : فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فيضيف عقدا إلى غير عقد ، ويرتهن إلى غير واجب ؛ واعتبار خيار المجلس وحده مبطل لهذا كله ، فأىّ الأمرين أولى أن يراعى ؟ وأي الحالين أقوى أن يعتبر ؟ فإن قيل : أمر اللّه تعالى بالكتابة والإشهاد محمول على الغالب في أن المتبايعين لا يفترقان حتى ينقضي ذلك كله . قلنا : الغالب ضدّه ، وكيف يتصوّر بقاء الشهود حتى يقوم « 7 » المتعاقدان ؟ هذا لم يعهد « 8 » ولم يتفق . فإن تعلّقوا بخبر ابن عمر وغيره في خيار المجلس فهذا خروج عن القرآن إلى الأخبار وقد تكلمنا على ذلك في مسائل الخلاف بما يجب ، فلا ندخله في غير موضعه .
--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية 1 ( 2 ) في ا : لم يتعب . والمثبت من ل . ( 3 - 4 - 5 ) سورة البقرة آية 282 ( 6 ) سورة البقرة ، آية 283 . ( 7 ) في ا : حتى يقدم . ( 8 ) في ا : لم يعمد . وهو تحريف .