ابن العربي

286

أحكام القرآن

المسألة الثانية - كان الحجّ معلوما عند العرب مشروعا لديهم ، فخوطبوا بما علموا وألزموا ما عرفوا ، وقد حجّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم معهم قبل فرض الحج ؛ فوقف بعرفة ولم يغيّر من شرع إبراهيم ما غيّروا حيث كانت قريش تقف بالمزدلفة ، ويقولون : نحن أهل الحرم فلا نخرج منه ونحن الحمس . المسألة الثالثة - هذا يدلّ على أنّ ركن الحج القصد إلى البيت . وللحج ركنان : أحدهما - الطواف بالبيت . والثاني - الوقوف بعرفة ، لا خلاف في « 1 » [ 96 ] ذلك ، وكل ما وراءه نازل عنه مختلف فيه . فإن قيل : فأين الإحرام ، وهو متّفق عليه ؟ قلنا : هو النية التي تلزم كلّ عبادة ، وتتعيّن في كل طاعة ، وكل عمل خلافها لم يكن به اعتداد ؛ فهي شرط لا ركن . المسألة الرابعة - قال علماؤنا : إذا توجّه الخطاب على المكلفين بفرض ، هل يكفى فيه فعله مرة واحدة ، أو يحمل على التكرار ؟ وقد بيناه في أصول الفقه دليلا ومذهبا . والمختار أنه يقتضى فعله مرة واحدة ، وقد ثبت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال له أصحابه : يا رسول اللّه ؛ أحجّنا هذا لعامنا أم للأبد ؟ فقال : لا ، بل لأبد الأبد « 2 » . رواه جماعة منهم علىّ ؛ قال : لما نزلت : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ - قالوا : يا رسول اللّه ؛ أو في كل عام ؟ قال : لا - ولو قلت : نعم ، لوجبت . وروى محمد بن زياد عن أبي هريرة « 3 » : خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إن اللّه سبحانه كتب عليكم الحجّ . فقال محصن الأسدي : أفي كلّ عام يا رسول اللّه ؟ قال : أما إني لو قلت نعم لوجبت ، ثم لو تركتم لضللتم ؟ اسكتوا عنى ما سكتّ عنكم ، إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ؛ فأنزل اللّه تعالى « 4 » : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ .

--> ( 1 ) من أول المسألة الثامنة التي سبقت في صفحة 187 إلى هنا ساقط في م ، مع أن أرقام الصفحات متتالية فيها . ( 2 ) الأبد : الدهر ، أي هي لآخر الدهر ( النهاية ) . ( 3 ) صحيح مسلم : 975 ، والقرطبي : 5 - 143 ( 4 ) سورة المائدة ، آية : 101