ابن العربي

262

أحكام القرآن

وخالفنا أبو حنيفة والشافعىّ وقالا : القول قول الراهن . وما قلناه يشهد له ظاهر القرآن كما قدمناه . وعادة الناس في ارتهانهم ما يكون قدر الدين في معاملتهم . فإذا قال المرتهن : ديني مائة ، وقال الراهن : خمسون ، صار الرهن شاهدا يحلف المدعى معه كما يحلف مع الشاهد . وإن قال المرتهن : ديني مائة وخمسون صار مدّعيا في الخمسين . ولو هلك الرّهن فقد قال أصحاب الشافعي : لا يسقط الدين ، لأنّ الرهن وثيقة ، وظنّوا بنا أنّ الدّين يسقط بهلاك الرهن ، ونحن نقول : إنما نستوفى به إذا هلك ، وكان مما يعاب عليه ، وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف . المسألة التاسعة والأربعون - قوله تعالى : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً . معناه إن أسقط الكتاب والإشهاد والرهن ، وعوّل على أمانة المعامل ، فليؤدّ الذي ائتمن الأمانة وليتّق اللّه ربّه . وقد اختلف العلماء في ذلك كما بيناه ، ولو كان الإشهاد واجبا لما جاز إسقاطه ، وبهذا يتبيّن أنه وثيقة ، وكذلك هو عندنا في النكاح . وقال المخالفون : هو واجب في النكاح ، وسيأتي في سورة الطلاق إن شاء اللّه تعالى . وقد قال بعض الناس : إنّ هذا ناسخ للأمر بالإشهاد ، وتابعهم جماعة ؛ ولا منازعة عندنا في ذلك ؛ بل هو جائز ، وحبذا الموافقة في المذهب ، ولا نبالى من الاختلاف في الدليل . وجملة الأمر أن الإشهاد حزم ، والائتمان وثيقة باللّه من المداين ، ومروءة من المدين ، وفي الحديث الثابت الصحيح عن أبي هريرة « 1 » قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ذكر أنّ رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار ، فقال : ائتني بالشهداء أشهدهم ، فقال : كفى باللّه شهيدا . قال : فأتني بالكفيل . قال : كفى باللّه كفيلا . قال : صدقت . فدفعها إليه إلى أجل مسمى . فخرج الرجل في البحر فقضى حاجته ، ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجّله فلم يجد مركبا ، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها

--> ( 1 ) ابن كثير : 1 - 334