ابن العربي
252
أحكام القرآن
والصحيح عندي أنّ المراد به البالغون من ذكوركم المسلمون ؛ لأنّ الطفل لا يقال له رجل ، وكذا المرأة لا يقال لها رجل أيضا . وقد بيّن اللّه تعالى بعد ذلك شهادة المرأة ، وعيّن بالإضافة في قوله تعالى : مِنْ رِجالِكُمْ * المسلم ؛ ولأن الكافر لا قول له ؛ وعنى الكبير أيضا ، لأنّ الصغير لا محصول له . وإنما أمر اللّه تعالى بإشهاد البالغ ؛ لأنه الذي يصحّ أن يؤدّى الآن الشهادة ؛ فأما الصغير فيحفظ الشهادة ؛ فإذا أدّاها وهو رجل جازت ؛ ولا خلاف فيه . وليس للآية أثر في شهادة العبد يرد ، وسيأتي القول فيها في تفسير قوله تعالى « 1 » : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ إن شاء اللّه . المسألة الرابعة عشرة - عموم قوله تعالى : مِنْ رِجالِكُمْ * يقتضى جواز شهادة الأعمى على ما يتحققه ويعلمه ؛ فإنّ السمع في الأصوات طريق للعلم كالبصر للألوان ، فما علمه أداه ، كما يطأ زوجته باللمس والشم ، ويأكل بالذّوق ؛ فلم لا يشهد على طعام اختلف فيه قد ذاقه . المسألة الخامسة عشرة - قال علماؤنا : أخذ بعض الناس من عموم هذه الآية في قوله تعالى : مِنْ رِجالِكُمْ * جواز شهادة البدوىّ على القروىّ . وقد منعها أحمد بن حنبل ومالك في مشهور قوله . وقد بيّنا الوجوه التي منعها أشياخنا من أجلها في كتب الخلاف ؛ والصحيح جوازها مع العدالة كشهادة القروىّ على القروىّ . وقد ثبت أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شهد عنده أعرابىّ على هلال رمضان ؛ فأمر بالصيام . المسألة السادسة عشرة - قال علمانا قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ من ألفاظ الإبدال ، فكان ظاهره يقتضى ألّا تجوز شهادة النساء إلّا عند عدم شهادة الرجال ، كحكم سائر إبدال الشريعة مع مبدلاتها ؛ وهذا ليس كما زعمه ، ولو أراد ربنا ذلك لقال : فإن لم يوجد رجلان فرجل : فأما وقد قال : فإن لم يكونا فهذا قول يتناول حالة الوجود والعدم . واللّه أعلم .
--> ( 1 ) سورة النساء ، آية 135