ابن العربي
197
أحكام القرآن
الثالثة ، لقوله تعالى بعده : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ لو لم يذكر الوقوع ببدل ولا حكم ما بعده ، فتبيّن بقوله تعالى : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أنّ الافتداء بالمال عن النكاح جائز ، وطلاق في الجملة ، وأنه لا رجعة بعده ، فإنه « 1 » لم يذكر بعده رجعة ؛ فالآية سيقت لبيان جملة ، فيكون التّرك بيانا . ثم قال تعالى : فَإِنْ طَلَّقَها ، فبيّن أنّ الصريح يقع بعد الطلاق بمال . قلنا : هذا تطويل ليس وراءه تحصيل ، إنما قال اللّه تعالى : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ بما قد تردّد في كلامنا ، جملته أنّ الطلاق محصور في ثلاث ، وأنّ للزوج فيما دون الثلاث الرجعة ، وأن الثالثة تحرمها إلى غاية ، وتبيّن مع ذلك كلّه تحريم أخذ الصداق إلّا بعد رضا المرأة لما قد استوفى منها واستحلّ من فرجها ، وأحكم أنه لا حجّة له في أن يقول : تأخذ بمقدار متعتى ، وآخذ بما بقي لي . وأوضح أنّ للمرأة أن تفكّ نفسها من رقّ النكاح بمالها منه ومن غيره ، وسواء أخذه في الأولى أو الثانية ؛ أو الثالثة ، لقوله تعالى بعد ذكر أعداد الطلاق الثلاث والمرتين « 2 » والتسريح : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ كيفما كان الفداء ؛ فكان بيانا لجواز الفداء في الجملة كلّها لا في محلّ مخصوص منها بأولى أو ثانية أو ثالثة . جواب آخر : وأمّا تحريم الرجعة في طلاق الخلع فليس من هذه الآية ، إنما اقتضت الآية تحريمها بالثالثة ، أو بالثلاث ، فأمّا سقوط الرجعة في المفاداة فمأخوذ من دليل آخر ، وهو حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم في شأن ثابت بن قيس فمعناه « 3 » وفرقه . جواب ثالث : أما قولهم : إن الصريح يقع بعد الطلاق ، فنقول : نعم ، ولكن في محلّه ؛ ألا ترى أنّ العدّة لو انقضت لم يقع طلاق ثان ، ولا يقع إذا خالعها في الأولى ولا في الثانية . جواب رابع : قد بينّا قبل هذا تقدير الآية ونظم مساقها بما يقتضيه لفظها ، لا بما لا يقتضيه ولا يدلّ عليه كما فعلوا ؛ فقارنوا بين الأمرين تجدوا البون بيّنا إن شاء اللّه تعالى . الآية الثامنة والستون - قوله تعالى « 4 » :
--> ( 1 ) في ل : وأنه . ( 2 ) في ل : الثلاث - المرتين . ( 3 ) في ل : بمعناه . ( 4 ) الآية الثلاثون بعد المائتين .