ابن العربي
198
أحكام القرآن
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ، فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وفيها مسألتان : المسألة الأولى - قوله تعالى : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ . قال سعيد بن المسيّب : تحلّ المطلّقة ثلاثا للأول بمجرد العقد من الثاني وإن لم يطأها الثاني ؛ لظاهر قوله تعالى : فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ، والنكاح العقد . قال : وهذا لا يصحّ من وجهين : أحدهما أن يقال له : بل هو الوطء ، ولفظ النكاح قد ورد بهما في كتاب اللّه تعالى جميعا ، فما باله خصّصه هاهنا بالعقد . فإن قيل : فأنتم لا تقولون به ؛ لأنه شرط الإنزال وأنتم لا تشترطونه . إنما شرط ذوق العسيلة ، وذلك يكون بالتقاء الختانين ، هذا لباب كلام علمائنا . قال القاضي : ما مرّ بي في الفقه مسألة أعسر منها ، وذلك أنّ من أصول الفقه أنّ الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أم بأواخرها ؟ وقد بينا ذلك في أصول الفقه ، وفي بعض ما تقدم . فإنا قلنا : إنّ الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا مذهب سعيد بن المسيب . وإن قلنا : إنّ الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال ، لأنه آخر ذوق العسيلة ، ولأجل ذلك لا يجوز له أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها ؛ فصارت المسألة في هذا الحد من الإشكال ، وأصحابنا يهملون ذلك ويمحون القول عليه ، وقد حققناها في مسائل الخلاف . المسألة الثانية - قوله تعالى : حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ . دليل على أنّ المرأة تزوّج نفسها ؛ لأنه أضاف العقد إليها ، ولنا لو كان سعيد بن المسيّب يرى هذا مع قوله : إنّ النكاح العقد لجاز له ؛ وأمّا نحن وأنتم الذين نرى أنّ النكاح هاهنا هو الوطء فلا يصحّ الاستدلال لكم معنا بهذه الآية . فإن قيل : القرآن اقتضى تحريمها إلى العقد ، والسنّة لم تبدّل لفظ النكاح ولا نقلته عن العقد إلى الوطء ، إنما زادت شرطا آخر وهو الوطء . قلنا : إذا احتمل اللفظ في القرآن معنيين فأثبتت السنة أنّ المراد أحدهما فلا يقال إنّ