ابن العربي
196
أحكام القرآن
فكلّ ما كان فداء فجائز على الإطلاق . المسألة السابعة عشرة - قوله تعالى : فَلا تَعْتَدُوها . بيّن تعالى أحكام النكاح والفراق ، ثم قال تعالى : تلك حدودي التي أمرت بامتثالها فلا تعتدوها ، كما بيّن تحريمات الصيام في الآية الأخرى ، ثم قال : تلك حدودي فلا تقربوها ، فقسّم الحدود قسمين : منها حدود الأمر بالامتثال ، وحدود النهى بالاجتناب . المسألة الثامنة عشرة - احتجّ مشيخة خراسان من الحنفية على أنّ المختلعة يلحقها الطلاق بقوله تعالى « 1 » : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ . قالوا : فشرع اللّه سبحانه وتعالى صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق ؛ وإنما قلنا بعدها لأنّ الفاء حرف تعقيب . قلنا : معناه فإن طلقها ولم تعتدّ ، لأنه شرع قبل الابتداء بطلاقين فيكون الابتداء « 2 » ثالثة ، ولا طلاق بعدها ليكون مرتّبا عليها ، ويكون معقّبا به ، فالصريح « 3 » المذكور على سبيل المعاقبة معناه إن لم يكن فداء ولكن كان صريحا ، ودليله أن اللّه تعالى شرع طلقتين صريحتين ، ثم ذكر بعدهما إمساكا بمعروف أو تسريحا بإحسان ، إما بالترك لتبين ، وإما بالطلقة الثالثة ، فيكون تمليكا للثالثة ؛ فإن افتدت فلا جناح عليها « 4 » فيه ، وإن لم تفتد وطلّقها كان كذا ، كما أخبر به ، فيكون بيانا لكيفية التصرف فيما بقي من ملك الثالثة . فإن قيل : حرف الفاء يقتضى الترتيب وقد رتّب الصريح على الفداء فلا يعدل عنه ، وذلك أنه تعالى قال : الطَّلاقُ مَرَّتانِ ، ثم قال : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي فيما فدت به نفسها من نكاحها بمالها ، ولا بدّ في ذلك من طلاق فتكون المفاداة طلاقا بمال ، وذلك هو المذكور في قوله تعالى : الطَّلاقُ مَرَّتانِ حتى لا يلزمنا ترك القول بالترتيب الذي يقتضيه حرف الفاء ، وعليه يدل مساق الآية ، لأنها سيقت لبيان عدد الطلاق وأحكام الواقع منه ؛ فبيّن تعالى أنّ العدد ثلاث ، وأنّ الصريح لا يمنع وقوع آخر ؛ لقوله تعالى : مَرَّتانِ ، وبيّن أنه لا يقطع الرجعة بقوله تعالى : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ولا إيقاع
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية 230 ( 2 ) في ل : الافتداء . ( 3 ) في ا : فالصريح ثم المذكور ، والمثبت من ل . ( 4 ) في ا : عليهما .