ابن العربي
181
أحكام القرآن
وتحقيق الأمر أنّ تقرير الآية عندنا : للذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر ، فإن فاءوا بعد انقضائها فإنّ اللّه غفور رحيم ، وإن عزموا الطلاق فإنّ اللّه سميع عليم . وتقريرها عندهم : للذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر ، فإن فاءوا فيها فإنّ اللّه غفور رحيم ، وإن عزموا الطلاق بترك الفيئة فيها فإنّ اللّه سميع عليم . وهذا احتمال متساو ، ولأجل تساويه توقّفت الصحابة فيه ، فوجب والحالة هذه اعتبار المسألة من غيره ، وهو بحر متلاطم الأمواج ، ولقد كنت أقمت [ 92 ] بالمدرسة التاجية مدة لكشف هذه المسألة بالمناظرة ، ثم تردّدت في المدرسة النظامية آخرا لأجلها . فالذي انتهى إليه النظر بين الأئمة أنّ أصحاب أبي حنيفة قالوا : كان الإيلاء طلاقا في الجاهلية ، فزاد فيه الشرع المدة والمهلة ، فأقرّه طلاقا بعد انقضائها . قلنا : هذه دعوى . قالوا : وتغييرها « 1 » دعوى . قلنا : أمّا شرع من قبلنا فربما قلنا إنه شرع لنا معكم أو وحدنا وأما أحكام الجاهلية فليست بمعتبرة ، وهذا موقف مشكل جدا ، وعليه اعتراض عظيم بيانه في كتب المسائل : الاعتراض حديث عائشة : كان النكاح على أربعة أنحاء ، فأقرّ الإسلام واحدا . وأما علماؤنا فرأوا أنّ اليمين على ترك الوطء ضرر حادث بالزوجة ، فضربت له في رفعه مدة ، فإن رفع الضّرر وإلّا رفعه الشرع عنها ؛ وذلك يكون بالطلاق كما يحكم في كل ضرر يتعلّق بالوطء كالجبّ والعنّة « 2 » وغيرهما ، وهذا غاية ما وقف عليه البيان ها هنا ؛ واستيفاؤه في المسائل ، واللّه أعلم . المسألة الثالثة عشرة - قال أصحاب الشافعي : هذه الآية بعمومها دليل على صحّة إيلاء الكافر . قلنا : نحن نقول بأنّ الكفّار مخاطبون بفروع الشرع بلا خلاف فيه عند المالكية ، ولكن لا عبرة به عندنا بفعل الكافر حتى يقدّم على فعله شرط اعتبار الأفعال ، وهو الإيمان ، كما لا ينظر في صلاته حتى يقدّم شرطها ؛ لأن زوجته إن قدّرت مسلمة لم يصح بحال ، وإن قدرت كافرة فما لنا ولهم ؟ وكيف ننظر في أنكحتهم ؟ ولعل المولى فيها هي الخامسة أو بنت
--> ( 1 ) في ا : وتعتبرها . ( 2 ) العنين : من لا يأتي النساء عجزا ، أو لا يريدهن .