ابن العربي

155

أحكام القرآن

المسألة الرابعة - لما أذن اللّه تعالى للناس في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر لهم وفيهم - كان ذلك دليلا على جواز التصرّف للأيتام كما يتصرّف للأبناء ، وفي الأثر : ما كنت تؤدّب منه ولدك فأدّب منه يتيمك ، ولأجل ذلك قال بعض علمائنا : إنه يجوز للحاضن أن يتصرف في مال اليتيم تصرّف الوصىّ في البيع والقسمة وغير ذلك ، وقد بيناه في مسائل الفروع ، وبه أقول وأحكم ، فينفذ بنفوذ فعله له في القليل والكثير على الإطلاق لهذه الآية . واللّه أعلم . المسألة الخامسة - إذا كفل الرجل اليتيم وحازه وكان في نظره ، جاز عليه فعله ، كما قدمناه ، وإن لم يقدمه وال عليه ؛ لأن الآية مطلقة ، ولأن الكفالة ولاية عامة . واعلموا أنه لم يؤثر على أحد من الخلفاء أنّه قدم أحدا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم ؛ وإنما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم . وقد روى عن عمر رضى اللّه عنه أنه قال في اللقيط : هو حرّ ، لك ولاؤه ، وعلينا نفقته - يعنى بالولاء الولاية ، ليس الميراث ، كما توهمه قوم . المسألة السادسة - فإن قيل : فإذا جعلتم للولىّ أن يتصرف في مال اليتيم تصرفه في مال ابنه بولاية الكفالة كما قدمتم بيانه « 1 » إن كان بتقديم وال عليه ، فهل ينكح نفسه من يتيمته أو يشترى من مال يتيمته ؟ قلنا : إن مالكا جعل ولاية النكاح بالكفالة والحضانة أقوى منها بالقرابة ، حتى قال في الأعراب الذين يسلّمون أولادهم في أعوام المجاعة إلى الكفلة : إنهم ينكحونهم إنكاحهم . فأما إنكاح الكافل من « 2 » نفسه فسيأتي في تفسير سورة النساء إن شاء اللّه تعالى . وأما الشراء منه فقال مالك وأبو حنيفة : يشترى في مشهور الأقوال إذا كان نظرا له ، وهو صحيح ؛ لأنه من باب الإصلاح المنصوص عليه في الآية . وقال الشافعي : لا يجوز ذلك في النكاح ولا في البيع ؛ وقد مهّدناه في مسائل الخلاف . فأما ما نزعه الشافعي من منع النكاح فله فيها طرق بيانها في موضعها هنالك ؛ وأما الشراء فطريقه فيها ضعيف جدّا إلّا أن يدخل معنا في مراعاة الذرائع والتهم فينقض أصله في تركها . فإن قيل : فلم ترك مالك أصله في التهمة والذرائع ، وجوّز له ذلك من نفسه مع يتيمته ؟

--> ( 1 ) في ل : أو . ( 2 ) في القرطبي ( 3 - 64 ) : لنفسه .