ابن العربي
148
أحكام القرآن
ويظهر الخلاف في المسلم إذا حجّ ثم ارتدّ ثم أسلم ، فقال مالك : يلزمه الحجّ لأنّ الأوّل قد حبط [ 75 ] بالردّة . وقال الشافعي : لا إعادة عليه لأنّ عمله باق . واستظهر عليه علماؤنا بقول اللّه تعالى « 1 » : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ . وقالوا : هو خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، والمراد به أمّته لأنه صلى اللّه عليه وسلم يستحيل منه الردّة شرعا . وقال أصحاب الشافعي : بل هو خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم على طريق التغليظ على الأمة ، وبيان أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله ، فكيف أنتم ؟ لكنه لا يشرك لفضل مرتبته ، كما قال اللّه تعالى « 2 » : يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ ؛ وذلك لشرف منزلتهن ، وإلا فلا يتصوّر إتيان فاحشة منهن ، صيانة لصاحبهنّ المكرّم المعظّم . قال ابن عباس ، حين قرأ : « 3 » ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما : واللّه ما بغت امرأة نبىّ قط ، ولكنهما كفرتا . وقال علماؤنا : إنما ذكر الموافاة شرطا هاهنا ، لأنه علّق عليها الخلود في النار جزاء ، فمن وافى كافرا خلّده اللّه في النار بهذه الآية ، ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى ، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين مختلفين وحكمين متغايرين ، وما خوطب به النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه به ، وما ورد في أزواجه صلى اللّه عليه وسلم فإنما قيل ذلك فيهنّ ليبيّن أنّه لو تصوّر لكان هتكا لحرمة الدين وحرمة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولكلّ هتك حرمة عقاب ، وينزّل ذلك منزلة من عصى في شهر حرام ، أو في البلد الحرام ، أو في المسجد الحرام ، فإن العذاب يضاعف عليه بعدد ما هتك من الحرمات ، واللّه الواقي لا ربّ غيره . الآية السابعة والخمسون - قوله تعالى « 4 » : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما .
--> ( 1 ) سورة الزمر ، آية 65 ( 2 ) سورة الأحزاب ، آية 30 ( 3 ) سورة التحريم ، آية 10 ( 4 ) الآية التاسعة عشرة بعد المائتين .