ابن العربي

134

أحكام القرآن

المسألة السابعة - قوله تعالى : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ : أراد نفيه مشروعا لا موجودا ، فإنّا نجد الرّفث فيه ونشاهده . وخبر اللّه سبحانه وتعالى لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره ، فإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا ، كقوله تعالى « 1 » : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ معناه شرعا لا حسّا ، فإنا نجد المطلقات لا يتربّصن ، فعاد النفي إلى الحكم الشرعىّ ، لا إلى الوجود الحسىّ . وهذا كقوله تعالى « 2 » : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ إذا قلنا : إنه وارد في الآدميين ، وهو الصحيح [ 68 ] ، أنّ معناه لا يمسّه أحد منهم بشرع ؛ فإن وجد المسنّ فعلى خلاف حكم الشرع ، وهذه الدقيقة هي التي فاتت العلماء فقالوا : إنّ الخبر قد يكون بمعنى النهى ، وما وجد ذلك قطّ ، ولا يصح أن يوجد ؛ فإنهما يختلفان حقيقة ويتضادّان وصفا . المسألة الثامنة - إذا وقع الوطء في الحج أفسده ، لأنه محظور كالأكل في الصوم أو الكلام في الصلاة ، فإن وقعت المباشرة لم تفسده ؛ لأنّ تحريمها لكونها داعية إلى الجماع ، كما حرّم الطيّب والنكاح ، حتى قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ، ولو وجد الطيب والنكاح لم يفسد الحج ، فكذلك بالمباشرة . المسألة التاسعة - قوله تعالى : وَلا فُسُوقَ . فيه أقوال كثيرة ؛ أمهاتها ثلاث : الأول - جميع المعاصي ، قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر . الثاني - أنه قتل الصيد . الثالث - أنه الذبح لغير اللّه تعالى ، لأنّ الحجّ لا يخلو عن ذبح ، وكان أهل الجاهلية يذبحونه لغير اللّه فسقا ، فشرعه اللّه تعالى لوجهه نسكا . والصحيح أن المراد بالآية جميعها ، قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في الصحيح « 3 » : من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه . وقال « 4 » : الحجّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنة . فقال « 5 » الفقهاء : الحج المبرور ، هو الذي لم يعص اللّه في أثناء أدائه .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية 228 ( 2 ) سورة الواقعة ، آية 79 ( 3 - 4 ) صحيح مسلم : 983 ( 5 ) في ل : قال الفقهاء .