ابن العربي

128

أحكام القرآن

وتعلّق مالك والشافعي بحديث جابر وعائشة رضى اللّه عنهما أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أفرد الحجّ . ومعنى « 1 » ما روى عن علىّ أنّ النبي عليه السلام فعله ، أي أمر بفعله ، وقد حققنا المسألة في كتب شرح الحديث . وأما المسألة « 2 » الثالثة ، وهي الجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد فقال أحمد : إنها الأفضل ؛ لقوله عليه السلام « 3 » : لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ولجعلتها عمرة . رواه الأئمة . وقال علماؤنا : إنما أشفق النبىّ صلى اللّه عليه وسلم على ترك الأرفق لا على ترك الأولى ، والأرفق ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم لما أمرهم أن يجعلوها [ 65 ] عمرة شقّ عليهم خلافهم له في الفعل ، فقال : إني لبدت رأسي ، وقلّدت هديي ، فلا أحلّ حتى أنحر الهدى ؛ معتذرا إليهم مبيّنا حاله عندهم . وقال - لما رأى من شفقتهم ولما رجاه من امتثالهم واقتدائهم ، وسلّ سخيمة الجاهلية عن أهوائهم : لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ولجعلتها عمرة كما أمرتكم به . والذي يقتضيه لفظ الآية من هذه الأقسام إضافة العمرة إلى الحجّ بقوله تعالى : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، ولا يصلح هذا اللفظ لفسخ الحج إلى العمرة ، وإذا امتنع هذا في الآية لم يبق إلّا الجمع بين الحجّ والعمرة ، فالآية بعد محتملة للقرآن ، والجمع بينهما إما في لفظ واحد أو في سفر واحد ؛ لأنهم كانوا معتمرين فصدّهم العدوّ فحلوا ؛ وذلك في أشهر الحجّ التي من اعتمر فيها ، ثم حجّ من عامه في سفره ذلك على ما بيّناه من الشروط ؛ فيكون متمتّعا ؛ فبيّن اللّه تعالى ذلك له . وكأنّ المعنى أنتم قد اعتمرتم في أشهر الحج ، فلو حججتم في هذا العام لكنتم متمتعين ، وإن كنتم قد صددتم ؛ لأنّ عمرتكم مع حلّكم قبل البلوغ إلى البيت عمرة صحيحة كاملة تكون إضافة الحج إليها متعة .

--> ( 1 ) في ا : ومعناه . ( 2 ) في ا : المتعة . ( 3 ) صحيح مسلم : 888