ابن عطية الأندلسي
488
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قال القاضي : إن كان هذا ففي المجلحين منهم القائلين ما هو كفر ، وروي حديث : أن الآية في القدرية وقال أبو أمامة : سمعنا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أنها في الحرورية ، وقد تقدم عنه أنها في الخوارج وهو قول واحد ، وما في قوله بِما كُنْتُمْ مصدرية وقوله تعالى : فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ أي في النعيم الذي هو موجب رحمة اللّه وقوله بعد ذلك هُمْ فِيها تأكيد بجملتين ، إذ كان الكلام يقوم دونها . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 108 إلى 110 ] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ( 108 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 109 ) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ( 110 ) الإشارة بتلك إلى هذه الآيات المتقدمة المتضمنة تعذيب الكفار وتنعيم المؤمنين ، ولما كان فيها ذكر التعذيب ، أخبر تعالى : أنه لا يريد أن يقع منه ظلم لأحد من العباد ، وإذا لم يرد ذلك فلا يوجد البتة ، لأنه لا يقع من شيء إلا ما يريد تعالى ، وقوله تعالى : بِالْحَقِّ معناه : بالإخبار الحق ، ويحتمل أن يكون المعنى : نَتْلُوها عَلَيْكَ مضمنة الأفاعيل التي هي « حق » في أنفسها ، من كرامة قوم ، وتعذيب آخرين ، وقرأ أبو نهيك : « يتلوها » بالياء ، وجاء الإعلام بأنه تعالى لا يريد ظلما في حكمه ، فإذا لا يوجد . ولما كان للذهن أن يقف هنا في الوجه الذي به خص اللّه قوما بعمل يرحمهم من أجله ، وآخرين بعمل يعذبهم عليه ، ذكر تعالى الحجة القاطعة في ملكه جميع المخلوقات ، وأن « الحق » لا يعترض عليه ، وذلك في قوله ، وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الآية ، وقال : ما ولم يقل « من » من حيث هي جمل وأجناس ، وذكر الطبري : أن بعض البصريين نظر قوله تعالى : وَإِلَى اللَّهِ فأظهر الاسم ، ولم يقل إليه بقول الشاعر : لا أرى الموت يسبق الموت شيء * نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا وما جرى مجراه ، وقاله الزجّاج ، وحكي أن العرب تفعل ذلك إرادة تفخيم الكلام والتنبيه على عظم المعنى . قال القاضي أبو محمد : والآية تشبه البيت في قصد فخامة النظم ، وتفارقه من حيث الآية جملتان مفترقتان في المعنى ، فلو تكررت جمل كثيرة على هذا الحد لحسن فيها كلها إظهار الاسم ، وليس التعرض بالضمير في ذلك بعرف ، وأما البيت وما أشبهه فالضمير فيه هو العرف ، إذ الكلام في معنى واحد ، ولا يجوز إظهار الاسم إلا في المعاني الفخمة في النفوس من التي يؤمن فيها اللبس على السامع ، وقرأ بعض السبعة ، « ترجع الأمور » بفتح التاء على بناء الفعل للفاعل ، وقد تقدم ذكر ذلك . واختلف المتأولون في معنى قوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ فقال عمر بن الخطاب : هذه