ابن عطية الأندلسي
489
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
لأولنا ، ولا تكون لآخرنا وقال عكرمة : نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل . قال القاضي أبو محمد : يريد ومن شاكلهم ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : نزلت في الذين هاجروا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة . قال القاضي : فهذا كله قول واحد ، مقتضاه أن الآية نزلت في الصحابة ، قيل لهم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ، فالإشارة بقوله أُمَّةٍ إلى أمة محمد معينة ، فإن هؤلاء هم خيرها ، وقال الحسن بن أبي الحسن وجماعة من أهل العلم : معنى الآية ، خطاب الأمة بأنهم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، فلفظ أُمَّةٍ ، على هذا التأويل اسم جنس كأنه قيل لهم كنتم خير الأمم ، ويؤيد هذا التأويل كونهم شهداء على الناس ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : نحن الآخرون السابقون الحديث . وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال يوما وهو مسند ظهره إلى الكعبة ، نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها قال مجاهد : معنى الآية « كنتم خير الناس » - وقال الحسن : نحن آخرها وأكرمها على اللّه تعالى ، وقال أبو هريرة رضي اللّه عنه : معنى الآية كنتم للناس خير الناس . قال القاضي أبو محمد : فَأُمُّهُ على هذا التأويل ، اسم جنس ، قال أبو هريرة : يجيئون بالكفار في السلاسل فيدخلونهم في الإسلام . قال القاضي : ولم يبعث نبي إلى الأمم كافة إلا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فهو وأمته يدعون إلى الإيمان ويقاتلون العالم عليه ، فهم خير الناس للناس ، وليس يلزم على هذا التأويل أنها أفضل الأمم من نفس لفظ الآية ، لكن يعلم هذا من لفظ آخر ، وهي كقوله صلى اللّه عليه وسلم : أرأف أمتي بأمتي أبو بكر ، فليس يقتضي هذا اللفظ أن أبا بكر أرأف الناس على الإطلاق ، في مؤمن وكافر . قال القاضي : والرأفة على الإطلاق ليست بجارية مع الشرع كما يجب ، وأما قوله ، كُنْتُمْ على صيغة المضي ، فإنها التي بمعنى الدوام ، كما قال : وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * [ النساء : 96 - 99 - 100 - 152 ، الفرقان : 70 ، الأحزاب : 5 - 50 - 59 - 73 ، الفتح : 14 ] ، إلى غير هذا من الأمثلة ، وقال قوم : المعنى كنتم في علم اللّه ، وقيل : في اللوح المحفوظ ، وقيل فيما أخبر به الأمم قديما عنكم و خَيْرَ على هذه الأقوال كلها خبر كان ، ويحتمل أن تكون كان التامة ، ويكون خَيْرَ أُمَّةٍ نصبا على الحال ، وهذا يتجه على بعض التأويلات التي ذكرناها دون بعض . قال القاضي : وهذه الخيرية التي فرضها اللّه لهذه الأمة إنما يأخذ بحظه منها من عمل هذه الشروط من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان باللّه ، وقوله : تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وما بعده ، أحوال في موضع نصب ، ثم أخبر تعالى عن أهل الكتاب على جهة التوبيخ المقرون بالنصح ، أنهم لو آمنوا لنجّوا أنفسهم من عذاب اللّه ، وجاءت لفظة خَيْرَ في هذه الآية وهي صيغة تفضيل ، ولا مشاركة بين كفرهم وإيمانهم في الخير ، وإنما جاز ذلك لما في لفظة خَيْرَ من الشياع وتشعب الوجوه ، وكذلك هي لفظة أفضل وأحب وما جرى مجراها ، وقد بيّن هذا المعنى في غير هذا الموضع بأوعب من هذا ، وقوله تعالى :