ابن عطية الأندلسي

487

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

هذا وذلك فسواء ، هذا تحرير مذهب أصحابنا الأصوليين رحمهم اللّه . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 106 إلى 107 ] يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 ) والعامل في قوله يَوْمَ الفعل الذي تتعلق به اللام ، في قوله و لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [ آل عمران : 105 ] قال الزجاج : تقديره ويثبت لهم عذاب عظيم . قال القاضي : وذلك ضعيف من جهة المعنى ، لأنه يقتضي أن عظم العذاب في ذلك اليوم ، ولا يجوز أن يكون العامل قوله عذاب ، لأنه مصدر قد وصف ، « وبياض الوجوه » : عبارة عن إشراقها واستنارتها وبشرها برحمة اللّه ، قال الزجّاج - وغيره - : ويحتمل عندي أن يكون ذلك من آثار الوضوء كما قال النبي عليه السلام ، أنتم الغر المحجلون من آثار الوضوء ، وأما « سواد الوجوه » ، فقال المفسرون هي عبارة عن اربدادها وإظلامها بغمم العذاب ، ويحتمل أن يكون ذلك تسويدا ينزله اللّه بهم على جهة التشويه والتمثيل بهم ، على نحو حشرهم زرقا وهذه أقبح طلعة ، ومن ذلك قول بشار : [ البسيط ] وللبخيل على أمواله علل * زرق العيون عليها أوجه سود وقرأ يحيى بن وثاب ، « تبيض وتسود » بكسر التاء ، وقرأ الزهري ، « تبياض » وجوه ، و « تسواد » وجوه بألف ، وهي لغة ، ولما كان صدر هذه الآية ، إخبارا عن حال لا تخص أحدا معينا ، بدئ بذكر البياض لشرفه ، وأنه الحالة المثلى ، فلما فهم المعنى ، وتعين له « الكفار والمؤمنون » ، بدئ بذكر الذين اسودت وجوههم للاهتمام بالتحذير من حالهم ، وقوله تعالى : أَ كَفَرْتُمْ تقرير وتوبيخ ، متعلق بمحذوف ، تقديره ، فيقال لهم : أكفرتم ؟ وفي هذا المحذوف هو جواب « أما » ، وهذا هو فحوى الخطاب ، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدر لا يستغني المعنى عنه ، كقوله تعالى : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ [ البقرة : 184 ] المعنى فأفطر فعدة وقوله تعالى : بَعْدَ إِيمانِكُمْ يقتضي أن لهؤلاء الموقنين إيمانا متقدما ، فاختلف أهل التأويل في تعيينهم ، فقال أبي بن كعب : الموقفون جميع الكفار ، والإيمان الذي قيل لهم بسببه بَعْدَ إِيمانِكُمْ هو الإيمان الذي أقروا به يوم قيل لهم - ألست بربكم ؟ قالوا بلى - وقال أكثر المتأولين : إنما عني بالتوقيف في هذه الآية أهل القبلة من هذه الأمة ، ثم اختلفوا ، فقال الحسن : الآية في المنافقين ، يؤمنون بألسنتهم ويكفرون بقلوبهم ، فيقال لهم : أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ ؟ أي ذلك الإيمان بألسنتهم ، وقال السدي : هي فيمن كفر من أهل القبلة حين اقتتلوا ، وقال أبو أمامة : الآية في الخوارج وقال قتادة : الآية في أهل الردة ، ومنه الحديث : ليردن عليّ الحوض رجال من أصحابي حتى إذا رفعوا إليّ اختلجوا فأقول : أصحابي أصحابي ، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول : فسحقا فسحقا ، وفي بعض طرقه : فأناديهم : ألا هلم ، ألا هلم ، وذكر النحاس قولا : إن الآية في اليهود ، وذلك أنهم آمنوا بصفة محمد واستفتحوا به ، فلما جاءهم من غيرهم كفروا ، فهذا كفر بعد إيمان ، وروي عن مالك أنه قال : الآية في أهل الأهواء .