ابن عطية الأندلسي
412
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وقال بعض اللغويين : السحر من ثلث الليل الآخر إلى الفجر . قال الفقيه الإمام : والحديث في التنزل وهذه الآية في الاستغفار يؤيدان هذا ، وقد يجيء في أشعار العرب ما يقتضي أن حكم السحر يستمر فيما بعد الفجر نحو قول امرئ القيس : [ المتقارب ] يعلّ به برد أنيابها * إذا غرّد الطّائر المستحر يقال : أسحر واستحر إذا دخل في السحر ، وكذلك قولهم : نسيم السحر ، يقع لما بعد الفجر ، وكذلك قول الشاعر : [ ربيع بن زياد ] تجد النساء حواسرا يندبنه * قد قمن قبل تبلج الأسحار فقد قضى أن السحر يتبلج بطلوع الفجر ، ولكن حقيقة السحر في هذه الأحكام الشرعية من الاستغفار المحمود ، ومن سحور الصائم ، ومن يمين لو وقعت إنما هي من ثلث الليل الباقي إلى السحر . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 18 ] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) أصل شَهِدَ في كلام العرب حضر ، ومنه قوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ البقرة : 185 ] ثم صرفت الكلمة حتى قيل في أداء ما تقرر علمه في النفس بأي وجه تقرر من حضور أو غيره : شهد يشهد فمعنى شَهِدَ اللَّهُ أعلم عباده بهذا الأمر الحق وبينه ، وقال أبو عبيدة : شَهِدَ اللَّهُ معناه ، قضى اللّه وهذا مردود من جهات ، وقرأ جميع القراء : أَنَّهُ لا إِلهَ بفتح الألف من أَنَّهُ وبكسرها من قوله : إِنَّ الدِّينَ [ آل عمران : 19 ] واستئناف الكلام ، وقرأ الكسائي وحده « أن الدين » بفتح الألف ، قال أبو علي : « أن » بدل من أَنَّهُ الأولى ، وإن شئت جعلته من بدل الشيء من الشيء وهو هو ، لأن الإسلام هو التوحيد والعدل ، وإن شئت جعلته من بدل الاشتمال لأن الإسلام يشتمل على التوحيد والعدل ، وإن شئت جعلت « إن الدين » بدلا من القسط لأنه هو في المعنى ، ووجه الطبري هذه القراءة ، بأن قدر في الكلام واو عطف ثم حذفت وهي مرادة كأنه قال : وَإِنَّ الدِّينَ [ آل عمران : 19 ] وهذا ضعيف ، وقرأ عبد اللّه بن العباس : « إنه لا إله إلا هو » بكسر الألف من « إنه » ، وقرأ « أن الدين » بفتح الألف ، فأعمل شَهِدَ في « أن الدين وجاء قوله : « إنه لا إله إلا هو » اعتراضا جميلا في نفس الكلام المتصل ، وتأول السدي الآية على نحو قراءة ابن عباس فقال : اللّه وملائكته والعلماء يشهدون : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] وقرأ أبو المهلب عم محارب بن دثار ، « شهداء اللّه » على وزن فعلاء ، وبالإضافة إلى المكتوبة ، قال أبو الفتح ، هو نصب على الحال من الضمير في الْمُسْتَغْفِرِينَ [ آل عمران : 17 ] وهو جمع شهيد أو جمع شاهد كعالم وعلماء ، وروي عن أبي المهلب هذا أنه قرأ « شهد اللّه » برفع الشهداء ، وروي عنه أنه قرأ « شهد » اللّه » على وزن - فعل - بضم الفاء والعين ونصب شهداء على الحال ، وحكى النقاش أنه قرئ « شهد