ابن عطية الأندلسي

343

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 256 ] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 ) الدِّينِ في هذه الآية المعتقد والملة ، بقرينة قوله قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، والإكراه الذي في الأحكام من الإيمان والبيوع والهبات وغير ذلك ليس هذا موضعه وإنما يجيء في تفسير قوله تعالى : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ، فإذا تقرر أن الإكراه المنفي هنا هو في تفسير المعتقد من الملل والنحل فاختلف الناس في معنى الآية ، فقال الزهري : سألت زيد بن أسلم عن قوله تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ فقال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين ، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم ، فاستأذن اللّه في قالتهم فأذن له ، قال الطبري والآية منسوخة في هذا القول . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : ويلزم على هذا ، أن الآية مكية ، وأنها من آيات الموادعة التي نسختها آية السيف ، وقال قتادة والضحاك بن مزاحم : هذه الآية محكمة خاصة في أهل الكتاب الذين يبذلون الجزية ويؤدونها عن يد صغرة ، قالا أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يقاتل العرب أهل الأوثان لا يقبل منهم إلا لا إله إلا اللّه أو السيف ، ثم أمر فيمن سواهم أن يقبل الجزية ، ونزلت فيهم لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ . قال القاضي أبو محمد : وعلى مذهب مالك في أن الجزية تقبل من كل كافر سوى قريش أي نوع كان ، فتجيء الآية خاصة فيمن أعطى الجزية من الناس كلهم لا يقف ذلك على أهل الكتاب كما قال قتادة والضحاك . وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : إنما نزلت هذه الآية في قوم من الأوس والخزرج كانت المرأة تكون مقلاة لا يعيش لها ولد ، فكانت تجعل على نفسها إن جاءت بولد أن تهوده ، فكان في بني النضير جماعة على هذا النحو ، فلما أجلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بني النضير قالت الأنصار كيف نصنع بأبنائنا ، إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه ، وأما إذ جاء اللّه بالإسلام فنكرههم عليه ، فنزلت لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ الآية ، وقال بهذا القول عامر الشعبي ومجاهد ، إلا أنه قال كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع ، وقال السدي نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين ، كان له ابنان ، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت ، فلما أرادوا الرجوع أتاهم ابنا أبي حصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى الشام فأتى أبوهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مشتكيا أمرهما ، ورغب في أن يبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من يردهما ، فنزلت لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ، ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب ، وقال : أبعدهما اللّه هما أول من كفر ، فوجد أبو الحصين في نفسه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما ، فأنزل اللّه جل ثناؤه فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [ النساء : 65 ] ، ثم إنه نسخ لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ، فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة . قال القاضي أبو محمد : والصحيح في سبب قوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ، حديث الزبير مع جاره الأنصاري في حديث السقي ، وقوله تعالى : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ معناه بنصب الأدلة ووجود الرسول الداعي إلى اللّه والآيات المنيرة ، و الرُّشْدُ مصدر من قولك رشد بكسر الشين وضمها يرشد رشدا