ابن عطية الأندلسي
344
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
ورشدا ورشادا ، و الْغَيِّ مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأي ، ولا يقال الذي في الضلال على الإطلاق ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي « الرشاد » بالألف ، وقرأ الحسن والشعبي ومجاهد « الرّشد » بفتح الراء والشين . وروي عن الحسن « الرّشد » بضم الراء والشين ، و « الطاغوت » بناء مبالغة من طغى يطغى ، وحكى الطبري « يطغو » إذا جاوز الحد بزيادة عليه ، وزنه فعلوت ، ومذهب سيبويه أنه اسم مفرد كأنه اسم جنس يقع للكثير والقليل ، ومذهب أبي على أنه مصدر كرهبوت وجبروت وهو يوصف به الواحد والجمع ، وقلبت لامه إلى موضع العين ، وعينه موضع اللام فقيل : طاغوت ، وقال المبرد : هو جمع ، وذلك مردود . واختلف المفسرون في معنى « الطاغوت » ، فقال عمر بن الخطاب ومجاهد والشعبي والضحاك وقتادة والسدي : « الطاغوت » : الشيطان . وقال ابن سيرين وأبو العالية : « الطاغوت » : الساحر ، وقال سعيد بن جبير ورفيع وجابر بن عبد اللّه وابن جريج : « الطاغوت » : الكاهن . قال أبو محمد : وبين أن هذه أمثلة في الطاغوت لأن كل واحد منها له طغيان ، والشيطان أصل ذلك كله ، وقال قوم : « الطاغوت » : الأصنام ، وقال بعض العلماء : كل ما عبد من دون اللّه فهو طاغوت . قال القاضي أبو محمد : وهذه تسمية صحيحة في كل معبود يرضى ذلك كفرعون ونمرود ونحوه ، وأما من لا يرضى ذلك كعزير وعيسى عليهما السلام ومن لا يعقل كالأوثان فسميت طاغوتا في حق العبدة ، وذلك مجاز . إذ هي بسبب الطاغوت الذي يأمر بذلك ويحسنه وهو الشيطان ، وقدم تعالى ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان باللّه ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت . و « العروة » في الأجرام وهي موضع الإمساك وشد الأيدي . و اسْتَمْسَكَ معناه قبض وشد يديه ، و الْوُثْقى فعلى من الوثاقة ، وهذه الآية تشبيه ، واختلفت عبارة المفسرين في الشيء المشبه بِالْعُرْوَةِ ، فقال مجاهد : العروة الإيمان . وقال السدي : الإسلام . وقال سعيد بن جبير والضحّاك : العروة لا إله إلا اللّه . قال القاضي أبو محمد : وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد ، والانفصام : الانكسار من غير بينونة ، وإذا نفي ذلك فلا بينونة بوجه ، والفصم كسر ببينونة ، وقد يجيء الفصم بالفاء في معنى البينونة ، ومن ذلك قول ذي الرمة : [ البسيط ] كأنه دملج من فضة نبه * في ملعب من عذارى الحي مفصوم ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان باللّه مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات سَمِيعٌ من أجل النطق و عَلِيمٌ من أجل المعتقد . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 257 ] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 257 ) ال وَلِيُّ فعيل من ولي الشيء إذا جاوره ولزمه ، فإذا لازم أحد أحدا بنصره ووده واهتباله فهو وليه ،