ابن عطية الأندلسي
311
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
المدونة أن الرضاع لازم للأم ، بخلاف النفقة ، وفي كتاب ابن الجلاب : رضاعه في بيت المال ، وقال عبد الوهاب : هو من فقراء المسلمين ، وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها ، والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي ، فهي أحق به بأجرة المثل . هذا مع يسر الزوج ، فإن كان معدما لم يلزمها الرضاع إلا أن يكون المولود لا يقبل غيرها فتجبر حينئذ على الإرضاع ، ولها أجر مثلها في يسر الزوج ، وكل ما يلزمها الإرضاع فإن أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب . وروي عن مالك أن الأب إذا كان معدما ولا مال للصبي فإن الرضاع على الأم ، فإن كان بها عذر ولها مال فالإرضاع عليها في مالها . وهذه الآية هي في المطلقات ، قاله السدي والضحاك وغيرهما ، جعلها اللّه حدا عند اختلاف الزوجين في مدة الرضاع فمن دعا منهما إلى إكمال الحولين فذلك له ، وقال جمهور المفسرين : إن هذين الحولين لكل واحد ، وروي عن ابن عباس أنه قال : « هي في الولد الذي يمكث في البطن ستة أشهر ، فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه أحد وعشرون شهرا » . قال القاضي أبو محمد : كأن هذا القول انبنى على قوله تعالى : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : 15 ] ، لأن ذلك حكم على الإنسان عموما ، وسمي العام حولا لاستحالة الأمور فيه في الأغلب ، ووصفهما ب كامِلَيْنِ إذ مما قد اعتيد تجوزا أن يقال في حول وبعض آخر حولين ، وفي يوم وبعض آخر مشيت يومين وصبرت عليك في ديني يومين وشهرين . وقوله تعالى : لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ مبني على أن الحولين ليسا بفرض لا يتجاوز ، وقرأ السبعة « أن يتم الرضاعة » بضم الياء ونصب الرضاعة ، وقرأ مجاهد وابن محيصن وحميد والحسن وأبو رجاء « تتم الرضاعة » بفتح التاء الأولى ورفع الرضاعة على إسناد الفعل إليها ، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة والجارود بن أبي سبرة كذلك ، إلا أنهم كسروا الراء من الرضاعة ، وهي لغة كالحضارة والحضارة ، وغير ذلك . وروي عن مجاهد أنه قرأ « الرضعة » على وزن الفعلة ، وروي عن ابن عباس أنه قرأ « أن يكمل الرضاعة » بالياء المضمومة ، وانتزع مالك رحمه اللّه وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين ، لأن بانقضاء الحولين تمت الرضاعة فلا رضاعة ، وروي عن قتادة أنه قال : « هذه الآية تضمنت فرض الإرضاع على الوالدات ، ثم يسر ذلك وخفف بالتخيير الذي في قوله : لِمَنْ أَرادَ . قال القاضي أبو محمد : وهذا قول متداع . قول عزّ وجل : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ الْمَوْلُودِ لَهُ اسم جنس وصنف من الرجال ، والرزق في هذا الحكم الطعام الكافي ، وقوله بِالْمَعْرُوفِ يجمع حسن القدر في الطعام وجودة الأداء له وحسن الاقتضاء من المرأة ، ثم بين تعالى أن الإنفاق على قدر غنى الزوج ومنصبها بقوله : لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها ، وقرأ جمهور الناس :