ابن عطية الأندلسي
312
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
« تكلف » بضم التاء « نفس » على ما لم يسمّ فاعله ، وقرأ أبو رجاء « تكلّف » بفتح التاء بمعنى تتكلف « نفس » فاعله ، وروى عنه أبو الأشهب « لا نكلّف » بالنون « نفسا » بالنصب ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبان عن عاصم « لا تضار والدة » بالرفع في الراء ، وهو خبر معناه الأمر ، ويحتمل أن يكون الأصل « تضارر » بكسر الراء الأولى فوالدة فاعل ، ويحتمل أن يكون « تضارر » بفتح الراء الأولى فوالدة مفعول لم يسم فاعله ، ويعطف مولود له على هذا الحد في الاحتمالين ، وقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم لا تُضَارَّ بفتح الراء المشددة ، وهذا على النهي ، ويحتمل أصله ما ذكرنا في الأولى ، ومعنى الآية في كل قراءة : النهي عن أن تضار الوالدة زوجها المطلق بسبب ولدها ، وأن يضارها هو بسبب الولد ، أو يضار الظئر ، لأن لفظة نهيه تعم الظئر ، وقد قال عكرمة في قوله : لا تُضَارَّ والِدَةٌ : معناه الظئر ، ووجوه الضرر لا تنحصر ، وكل ما ذكر منها في التفاسير فهو مثال . وروي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قرأ « لا تضارر » براءين الأولى مفتوحة . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع « لا تضار » بإسكان الراء وتخفيفها ، وروي عنه الإسكان والتشديد ، وروي عن ابن عباس « لا تضارر » بكسر الراء الأولى . واختلف العلماء في معنى قوله تعالى : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ . فقال قتادة والسدي والحسن وعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وغيرهم : هو وارث الصبي إن لو مات ، قال بعضهم : وارثه من الرجال خاصة يلزمه الإرضاع كما كان يلزم أبا الصبي لو كان حيا ، وقاله مجاهد وعطاء ، وقال قتادة أيضا وغيره : هو وارث الصبي من كان من الرجال والنساء ، ويلزمهم إرضاعه على قدر مواريثهم منه . وحكى الطبري عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن أنهم قالوا : الوارث الذي يلزمه إرضاع المولود هو وليه ووارثه إذا كان ذا رحم محرم منه ، فإن كان ابن عم وغيره وليس بذي رحم محرم فلا يلزمه شيء . قال القاضي أبو محمد : وفي هذا القول تحكم ، وقال قبيصة بن ذؤيب والضحاك وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز : الوارث هو الصبي نفسه ، أي عليه في ماله إذا ورث أباه إرضاع نفسه ، وقال سفيان رحمه اللّه : « الوارث هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما » ويرى مع ذلك إن كانت الوالدة هي الباقية أن يشاركها العاصب في إرضاع المولود على قدر حظه من الميراث . ونص هؤلاء الذين ذكرت أقوالهم على أن المراد بقوله تعالى : مِثْلُ ذلِكَ الرزق والكسوة ، وذكر ذلك أيضا من العلماء إبراهيم النخعي وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود والشعبي والحسن وابن عباس وغيرهم . وقال مالك رحمه اللّه في المدونة وجميع أصحابه والشعبي أيضا والزهري والضحاك وجماعة من العلماء : المراد بقوله مِثْلُ ذلِكَ أن لا يضار ، وأما الرزق والكسوة فلا شيء عليه منه ، وروى ابن القاسم عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث ثم نسخ ذلك . قال القاضي أبو محمد : فالإجماع من الأمة في أن لا يضار الوارث ، والخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا ؟ ، وقرأ يحيى بن يعمر « وعلى الورثة مثل ذلك » بالجمع . قوله عزّ وجل :