ابن عطية الأندلسي

293

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

تعالى : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ، [ المائدة : 91 ] ، ثم قوله تعالى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [ المائدة : 90 ] ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « حرمت الخمر » ، ولم يحفظ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في حد الخمر إلا أنه جلد أربعين ، خرجه مسلم وأبو داود ، وروي عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه ضرب فيها ضربا مشاعا ، وحزره أبو بكر أربعين سوطا ، وعمل بذلك هو ثم عمر ، ثم تهافت الناس فيها فشدد عليهم الحد وجعله كأخف الحدود ثمانين ، وبه قال مالك ، وقال الشافعي بالأربعين ، وضرب الخمر غير شديد عند جماعة من العلماء لا يبدو إبط الضارب ، وقال مالك : « الضرب كله سواء لا يخفف ولا يبرح » ، ويجتنب من المضروب الوجه والفرج والقلب والدماغ والخواصر بإجماع ، وقالت طائفة : هذه الآية منسوخة بقوله : فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ المائدة : 90 ] ، يريد ما في قوله وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ من الإباحة والإشارة إلى الترخيص . و الْمَيْسِرِ مأخوذ من يسر إذا جزر ، والياسر الجازر ، ومنه قول الشاعر : فلم يزل بك واشيهم ومكرهم * حتّى أشاطوا بغيب لحم من يسروا ومنه قول الآخر : أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني * ألم تيأسوا إنّي ابن فارس زهدم ؟ والجزور الذي يستهم عليه يسمى ميسرا لأنه موضع اليسر ، ثم قيل للسهام ميسر للمجاورة . وقال الطبري : « الميسر مأخوذ من يسر لي هذا إذا وجب وتسنى » ، ونسب القول إلى مجاهد ، ثم جلب من نص كلام مجاهد ما هو خلاف لقوله ، بل أراد مجاهد الجزر ، واليسر : الذي يدخل في الضرب بالقداح ، وجمعه أيسار وقيل يسر جمع ياسر ، كحارس وحرس وأحراس ، وسهام الميسر سبعة لها حظوظ وفيها فروض على عدة الحظوظ ، وثلاثة لا حظوظ لها ، ولا فروض فيها ، وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى ، والثلاثة التي لا حظوظ لها المنيح والسفيح والوغد ، تزاد هذه الثلاثة لتكثر السهام وتختلط على الحرضة وهو الضارب بها ، فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا ، وكانت عادة العرب أن تضرب بهذه القداح في الشتوة وضيق الوقت وكلب البرد على الفقراء ، تشتري الجزور ويضمن الأيسار ثمنها ثم تنحر وتقسم على عشرة أقسام ، وأخطأ الأصمعي في قسمة الجزور ، فذكر أنها كانت على قدر حظوظ السهام ثمانية وعشرين قسما ، وليس كذلك . ثم يضرب على العشرة الأقسام ، فمن فاز سهمه بأن يخرج من الربابة متقدما أخذ أنصباءه وأعطاها الفقراء ، وفي أحيان ربما تقامروا لأنفسهم ثم يغرم الثمن من لم يفز سهمه . ويعيش بهذه السيرة فقراء الحي ، ومنه قول الأعشى : [ السريع ] المطعمو الضيف إذا ما شتا * والجاعلو القوت على الياسر ومنه قول الآخر : [ الطويل ] بأيديهم مقرومة ومغالق * يعود بأرزاق العفاة منيحها والمنيح في هذا البيت المستمنح ، لأنهم كانوا يستعيرون السهم الذي قد أملس وكثر فوزه ، فذلك