ابن عطية الأندلسي

294

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

المنيح الممدوح ، وأما المنيح الذي هو أحد الثلاثة الأغفال ، فذلك إنما يوصف بالكر ، وإياه أراد جرير بقوله : [ الكامل ] ولقد عطفن على فزارة عطفة * كرّ المنيح وجلن ثمّ مجالا ومن الميسر قول لبيد : [ الطويل ] إذا يسروا لم يورث اليسر بينهم * فواحش ينعى ذكرها بالمصائف فهذا كله هو نفع الميسر ، إلا أنه أكل المال بالباطل ، ففيه إثم كبير ، وقال محمد بن سيرين والحسن وابن عباس وابن المسيب وغيرهم : كل قمار ميسر من نرد وشطرنج ونحوه حتى لعب الصبيان بالجوز . وقوله تعالى : قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ الآية ، قال ابن عباس والربيع : الإثم فيهما بعد التحريم ، والمنفعة فيهما قبله ، وقالت طائفة : الإثم في الخمر ذهاب العقل والسباب والافتراء والإذاية والتعدي الذي يكون من شاربها ، والمنفعة اللذة بها كما قال حسان بن ثابت : ونشربها فتتركنا ملوكا * وأسدا ما ينهنهنا اللقاء إلى غير ذلك من أفراحها ، وقال مجاهد : « المنفعة بها كسب أثمانها » ، ثم أعلم اللّه عزّ وجل أن الإثم أكبر من النفع وأعود بالضرر في الآخرة ، فهذا هو التقدمة للتحريم ، وقرأ حمزة والكسائي « كثير » بالثاء المثلثة ، وحجتها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة : بائعها ، ومبتاعها ، والمشتراة له ، وعاصرها ، والمعصورة له ، وساقيها ، وشاربها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وآكل ثمنها ، فهذه آثام كثيرة ، وأيضا فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام ، و « كثير » بالثاء المثلثة يعطي ذلك ، وقرأ باقي القراء وجمهور الناس « كبير » بالباء بواحدة ، وحجتها أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر فوصفه بالكبير أليق ، وأيضا فاتفاقهم على أَكْبَرُ حجة لكبير بالباء بواحدة ، وأجمعوا على رفض أكثر بالثاء مثلثة ، إلا ما في مصحف ابن مسعود فإن فيه « قل فيهما إثم كثير وإثمهما أكثر » بالثاء مثلثة في الحرفين ، وقوله تعالى : فِيهِما إِثْمٌ يحتمل مقصدين ، أحدهما أن يراد في استعمالهما بعد النهي ، والآخر أن يراد خلال السوء التي فيهما ، وقال سعيد بن جبير : لما نزلت قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ كرهها قوم للإثم وشربها قوم للمنافع ، فلما نزلت لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النساء : 43 ] تجنبوها عند أوقات الصلوات الخمس ، فلما نزلت إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ المائدة : 90 ] قال عمر بن الخطاب : ضيعة لك اليوم قرنت بالميسر والأنصاب ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : حرمت الخمر . ولما سمع عمر بن الخطاب قوله تعالى : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [ المائدة : 91 ] قال : « انتهينا ، انتهينا » ، قال الفارسي : وقال بعض أهل النظر : حرمت الخمر بهذه الآية لأن اللّه تعالى قال : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ [ الأعراف : 33 ] ، وأخبر في هذه الآية أن فيها إثما ، فهي حرام . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : ليس هذا النظر بجيد لأن الإثم الذي فيها هو